إمبراطورية “ميدان” الرقمية… الذراع الإعلامية لفلول الإخوان وخارطة الملاذات الجديدة

محمد سبتي

تشهد الساحة الإعلامية والسياسية الدولية تحولاً جذرياً في استراتيجية جماعة الإخوان الإرهابية، التي انتقلت من العمل التنظيمي المباشر إلى “العمل الإعلامي العابر للحدود”. وتبرز في قلب هذا التحول مؤسسة “ميدان” التي باتت تمثل الذراع السياسية والإعلامية الأكثر خطورة، حيث تعمل كواجهة ناعمة لإخفاء الوجه المسلح للتنظيم، مستهدفة تضليل الرأي العام الغربي وصناع القرار عبر منصات رقمية متعددة اللغات.
الاستراتيجية الرقمية وتدوير الخطاب الإخواني
ووفق ما نقلت وسائل إعلام متعددة تعتمد مؤسسة “ميدان” على فلسفة “إعادة التدوير”، حيث تعمل على صياغة الخطاب الإخواني التقليدي المتشدد في قالب حداثي يتناسب مع مفاهيم “حقوق الإنسان” و”الحريات العامة”.
وتتلخص أهداف المنصة في خلق حالة من التشكيك عبر استهداف المؤسسات الوطنية في الدول العربية ونشر تقارير تفتقر للموضوعية لزعزعة الثقة الداخلية والخارجية، وبناء شبكات مع منظمات حقوقية وجهات بحثية دولية لاستثمار الملفات الحقوقية كمدخل للتأثير على صورة الدولة، هذا إلى جانب إنتاج محتوى إعلامي وتحليلي موجه يستند إلى تقارير مفبركة ومضللة، يتم بثها عبر الفضاء الرقمي المفتوح لتعويض تراجع قدرة الجماعة على التأثير المباشر في الشارع.
البنية القيادية وشبكات “الكماليين” و”حسم”
تكشف التحقيقات والتقارير أنّ “ميدان” ليست مجرد منصة إعلامية، بل هي هيكل معقد يتداخل فيه الإعلامي بالميداني المسلح. ويرأس مكتبها السياسي رضا فهمي الذي كان ذراعاً إعلامية للقيادي الراحل محمد كمال “مؤسس لجان العمل النوعي”.
ويلعب عمر طلعت المنتمي إلى تيار “الكماليين” المتشدد دوراً محورياً في إعادة هندسة البنية التشغيلية للحركة داخل أوروبا، مستفيداً من خبرته في التيارات الأكثر عنفاً، في حين يعمل أحمد عبد العزيز، مستشار الرئيس المعزول محمد مرسي، كحلقة وصل وتنسيق بين “ميدان” والقيادة العليا في “جبهة لندن” بقيادة صلاح عبد الحق وحلمي الجزار.
ومن المؤسسين أيضاً يحيى موسى ومحمد منتصر، ويعيشان حالياً حالة من “الصمت الإجباري” بعد الضربات الأمنية والضغوط التركية، ويمتلك كلاهما ثروات وملايين الدولارات لإدارة هذه الأنشطة التضليلية.
خارطة الملاذات الجديدة… من إسطنبول إلى أوروبا
بعد تضييق الخناق على عناصر الجماعة في تركيا، والقبض على الإرهابي علي عبد الونيس “مهندس عمليات حسم”، بدأت “ميدان” بتنفيذ “خطة الطوارئ” لنقل مراكز ثقلها إلى مناطق أكثر مرونة قانونية، وبرزت هولندا كمركز رئيسي للنشاط التنظيمي تحت إشراف أنس حبيب المعروف بـ “برقوقة”، الذي يقود حركة “زد” كواجهة بديلة لـ “ميدان” لإخفاء الهوية الإخوانية الصريحة والتحريض ضد الدولة.
وأصبحت أذربيجان (باكو) مأوى للقيادات الهاربة مثل محمد عبد الحفيظ، نظراً للتسهيلات القانونية لحاملي الإقامة التركية وموقعها الاستراتيجي، لهذا يمكن أن تكون الوجهة الجديدة للقائمين على منصات “ميدان”.
وتحولت أيرلندا الشمالية والبوسنة إلى مراكز للبنية التحتية الإعلامية؛ حيث تم نقل استوديوهات قناة “مكملين” إلى البوسنة تحت إدارة أحمد الشناف وأحمد عبده، بينما تُدار العمليات التقنية لضمان استمرارية البث، وستكون ملاذاً آمناً لـ “ميدان”.
التمويل والارتباطات الدولية
تتلقى مؤسسة “ميدان” تمويلاً وُصف بأنّه “الأكبر في تاريخ الجماعة”، يتم توفيره عبر التنظيم الدولي من خلال وسطاء ماليين بارزين مثل عبد الرحمن أبو دية وعزام التميمي.
وكشفت التصريحات عن ارتباط المؤسسة بجهات مثل مجلس العلاقات المصرية الأمريكية (CEIR) التابع للتنظيم الدولي في أمريكا الشمالية، ممّا يؤكد أنّ مؤسسة “ميدان” هي مجرد ترس في آلة ضخمة تهدف لإعادة إنتاج المشروع الإخواني تحت غطاء “التكنوقراط” و”المجالس الثورية”.
الانقسامات الداخلية و”صراع الفتاوى”
رغم الضخ المالي والإعلامي تعاني مؤسسة “ميدان” من انقسامات حادة، كان أبرزها انشقاق أحمد مولانا “أحد أقطاب السلفية الجهادية” بسبب خلافات مع الجناح الذي يقوده محمد إلهامي ويحيى موسى.
وتمحور الخلاف حول “شرعية العنف” وتوزيع الأموال، حيث سعى مولانا لفرض نفسه مرجعية شرعية، بينما فضل الجناح الآخر مقاربة “واقعية” نفعية لإدارة الصراع، ممّا أدى في النهاية لتهميش مولانا وقطع التمويل عنه.
إنّ تحركات مؤسسة “ميدان” تعكس احتضار التنظيم التقليدي وولادة “إرهاب شبكي رقمي”. هذا التحول الاستراتيجي والهروب نحو الملاذات الأوروبية واستخدام منصات مضللة مثل “ميدان”، يتطلب وعياً دولياً وتنسيقاً أمنياً وإعلامياً مكثفاً لكشف هذه الوجوه الجديدة التي تحاول تصدير العنف تحت ستار “الإعلام الرقمي” والتقارير الحقوقية المزيفة.

* صحفي أردني

(حفريات)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.