الأصابع الخفية التي تُبقي النزيف مستمراً
عندما تستمر أي حرب أو نزاع أهلي لفترة طويلة، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس: كيف بدأت الأزمة؟ بل: من الذي يستفيد من بقائها مشتعلة؟ فالصراعات لا تعيش على أسبابها الأولى وحدها، وإنما على مصالح تتشكل حولها مع مرور الزمن، حتى يصبح السلام تهديداً لبعض الجهات أكثر من الحرب نفسها.
وفي حالة النزاعات القبلية التي شهدتها دارفور خلال السنوات الأخيرة، يُلاحظ أن كل جولة عنف تترك وراءها مزيداً من الانقسام والشكوك والكراهية، بينما تفتح في الوقت ذاته أبواباً واسعة أمام أصحاب المشاريع السياسية والأمنية الذين يجيدون الاستثمار في الفوضى. فكلما انشغل المجتمع بصراعاته الداخلية، تراجعت قدرته على مساءلة القوى المتحكمة في المشهد أو مواجهة الأزمات الحقيقية التي تعصف بالإقليم.
لقد أثبتت تجارب السودان المتعاقبة أن الانقسام القبلي كان أحد أكثر الأسلحة فاعلية في إضعاف المجتمعات المحلية. فحين تتحول القبيلة إلى ساحة تعبئة سياسية، يصبح من السهل توجيه الغضب الشعبي بعيداً عن جذور الأزمة الحقيقية، وتتحول المعركة من صراع حول الحقوق والتنمية والعدالة إلى صراع بين أبناء الإقليم الواحد.
ولعل أخطر ما يواجه دارفور اليوم هو انتشار خطاب التحريض الذي يجد طريقه عبر المجالس المغلقة، ومنصات التواصل الاجتماعي، وبعض المنابر الإعلامية. فالكلمة المحرِّضة قد تسبق الرصاصة، والشائعة قد تقتل فرص السلام قبل أن تبدأ. وما إن تقع حادثة محدودة حتى يتم تضخيمها وتوظيفها لإشعال مشاعر الثأر والانتقام، وكأن هناك من ينتظر الشرارة ليحولها إلى حريق واسع.
ومن اللافت أن القبائل التي تتقاتل اليوم كانت، حتى وقت قريب، تتشارك الأسواق والمراعي والمصالح الاجتماعية، بل وترتبط فيما بينها بعلاقات مصاهرة ونسب وجوار. وهذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: كيف تحولت تلك الروابط التاريخية إلى حالة من الاحتقان المستمر خلال فترة وجيزة؟ وهل حدث ذلك بصورة تلقائية، أم أن هناك من عمل على تعميق الجراح وتغذية أسباب الصدام؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تنطلق من منطق الاتهامات المجانية، بل من ضرورة البحث الجاد عن الجهات التي تستفيد سياسياً أو أمنياً أو اقتصادياً من استمرار حالة الفوضى. فالحروب لا تُدار دائماً من خطوط المواجهة، بل كثيراً ما تُدار من غرف مغلقة لا يسمع الناس أصوات من فيها، لكنهم يرون نتائج أفعالهم في القرى المحروقة، والأسر النازحة، والدماء التي تسيل على أرض دارفور.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في وقف إطلاق النار بين القبائل، وإنما في كشف شبكات التحريض، ومصادر التمويل، وخطابات الكراهية التي تُبقي الصراع حياً. فبدون معالجة هذه الجذور الخفية، ستظل دارفور تدور في الحلقة نفسها، وسيدفع الأبرياء الثمن مرة بعد أخرى، بينما يواصل تجار الأزمات حصد المكاسب من وراء ستار الظلام.
كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين بني هلبة والسلامات بعد سنوات من الدم؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.