رقصة الموت الأخيرة.. حينما يرتدّ «الأبناء» لافتراس الكلبة التي أنجبتهم!

بقلم: نفيسة حجر

في عالم الطبيعة، تلجأ الكلبة، في حالات غريزية شاذة، إلى التهام جرائها عند اشتداد الخوف من الفناء وشحّ الموارد.

هذه الصورة البيولوجية المقززة تكاد تكون التوصيف الأدق للمنظومات الشمولية، وعلى رأسها تجربة الحركة الإسلامية السودانية، التي طالما تصرفت بانتهازية وتخلّصت من بعض بنيها للحفاظ على نفوذها.

لكن المشهد السوداني اليوم يقدم مفارقة تاريخية أكثر بشاعة؛ ففي هذه المرة انقلبت الآية، ولم تعد الأم هي من تأكل جراءها، بل إن «الأبناء الشرعيين» الشرسين الذين أنجبتهم المنظومة ورعتهم، استداروا بكامل وحشيتهم ليفترسوا الكلبة التي وضعتهم، ويدخلوا في تصفية حسابات دموية تلتهمهم جميعاً.

إن التوقيت الذي اختاره القيادي ناجي عبد الله لفتح هذه الملفات الحارقة وسرد كواليس “المفاصلة” عام 1999، ليس معزولاً عن واقع الحرب الراهنة. فهو يندرج ضمن إطار “المعارضة من داخل البيت الواحد” وكشف المستور، بعد أن وصلت دعوات استمرار الحرب إلى طريق مسدود، وتجلّى الضعف البنيوي للمنظومة الإسلاموية وواجهاتها، بما فيها المؤسسة العسكرية، في مواجهة سياسة الأرض المحروقة، بالتزامن مع الضغوط والمواقف الدولية المتصاعدة لفرض وقف الحرب.

في هذا المأزق الوجودي، يعود أبناء التنظيم إلى تبادل الاتهامات ونبش الماضي المظلم، بحثاً عن كبش فداء يعفون به أنفسهم من مسؤولية الكارثة الحالية.

وبالعودة إلى تلك الشهادة، يتضح كيف سقطت الأخلاق التنظيمية مبكراً لصالح شهوة النفوذ. فحين استغل تيار علي عثمان محمد طه غياب الشيخ الترابي، الذي كان يتلقى العلاج في كندا، وأوعز إلى الدكتور عوض الجاز بتفكيك «منظمة قمم» «الذراع الأمني والاستراتيجي المخترق للكلية الحربية والأجهزة النظامية»، لم تُدر المعركة بأدوات الحوار، بل بعقلية الميليشيا والعصابات.

فاقتحمت كوادر الأمن الشعبي بيوت رفاقهم وأساتذتهم، مثل عوض جادين وبابكر تاي الله، في الثانية فجراً، ببنادق الكلاشينكوف وأدوات الترهيب، في أول مشهد علني تكشر فيه المنظومة عن أنيابها لتأكل أبناء العقيدة التنظيمية الواحدة.

هذه البيئة الخالية من الأخلاق السياسية، والقائمة على عقلية “الموازاة” وعدم الثقة في مؤسسات الدولة الوطنية، كالجيش والشرطة، هي التربة الخصبة نفسها التي تأسست فيها الميليشيات لاحقاً، لتنتج فصائل شتى، لم يكن الدعم السريع سوى أحد أشرسها.

وعندما تفاخر قادة النظام السابق في منابرهم بأن الدعم السريع “خُلق من رحم الجيش” وأنه “ابنهم الشرعي”، كانوا يغفلون بقية الأبناء من كتائب الظل، والمجموعات الأمنية، والميليشيات الجهوية والعقائدية التي ضخّوا في عروقها المال والسلطة خارج إطار القانون، وظنوا أنهم يؤسسون لحراس أوفياء يحمون كرسي السلطة، متناسين القاعدة التاريخية الثابتة: “من يربّي وحوشاً خارج إطار القانون، يكتب نهايته بيده”.

وهنا تكمن الصدمة والمفارقة الكبرى في واقعنا المعاصر؛ فالأمر لم يقتصر على تمرد الدعم السريع وحده، بل إن جميع الأبناء الذين غُذّوا على عقلية الغدر استداروا اليوم ليأكلوا أمهم ويأكلوا بعضهم بعضاً.

فإذا كان الآباء قد استباحوا بيوت بعضهم في المنشية والجريف عام 1999، فإن الأبناء اليوم لم يجدوا حرجاً في استباحة الوطن بأكمله.

لقد دخلت هذه الواجهات المسلحة والأجنحة الأمنية في حرب افتراس متبادل، يتنافس أطرافها على السلطة والنفوذ والشرعية وسط أشلاء الدولة، وانقلبت الأدوار تماماً، حيث تحولت البنادق المستأجرة إلى صدور صانعيها، وبات الأبناء ينهشون الرحم الذي خرجوا منه، ويصفّي بعضهم بعضاً بقسوة مفرطة.

إن ما يشهده السودان اليوم من حرب وجودية وتدمير ممنهج ليس سوى حصاد لتلك الرياح المسمومة.. فالتاريخ لا يرحم، والمنظومة التي استرخصت قدسية مؤسسات الدولة واعتمدت على الميليشيات الموازية سقطت في شر أعمالها.

واليوم، حين يلوّح قادتها بملفات الفساد، فإنهم يمارسون رقصة الموت الأخيرة لتنظيم تمردت عليه واجهاته، واستدار فيه الأبناء ليفترسوا أمهم وبعضهم بعضاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.