حين يبدع الشعب… ويُفلس الساسة: قاموس سوداني جديد من رحم العبث

حسن عبد الرضي

في بلادٍ كلما ضاقت بها السياسة، اتّسعت فيها اللغة… ينهض الشعب السوداني، لا ليُصلح الخراب — فذاك شأنٌ مؤجل — بل ليُسمّيه بأدق أسمائه، ويضحك عليه ضحك العارفين.
فحين تعجز المعاجم الرسمية عن توصيف هذا السيرك السياسي، يتكفّل الناس، مشكورين، بابتكار قاموسٍ جديد، حيّ، نابض، وساخر حدّ البكاء.
ومن بين أحدث ما جادت به القريحة السودانية، مفردتان تستحقان أن تُدرَّسا في كليات العلوم السياسية — لا لشيء إلا لأن الواقع نفسه صار نكتةً طويلة:
أولاً: “التمهجة”.
وهي مفردة فخيمة، منحوتة بعناية من اسم السياسي الأشهر في فنّ “اللّاخطاب” و”اللاموقف”: التوم هجو.
والتمهجة، في تعريفها الاصطلاحي، حسب تفسير مهندسها ومبرمجها، الباشمهندس هشام، هي إصدار أكبر قدرٍ ممكن من الضجيج السياسي، مع أقل قدرٍ ممكن من المعنى.
فالسياسي “المتمهج” لا يتحدث ليفهم الناس، بل ليتأكد هو أنه ما زال قادراً على فتح فمه.
تراه يتنقّل بين القنوات، كفراشةٍ أضاعت الزهرة، فيحطّ على كل شاشةٍ ليعيد ذات الكلام الذي لا يبدأ من فكرة ولا ينتهي إلى نتيجة.
أما تشبيه شاكلة التوم هجو من المهرجين بـ“ديك العِدّة” — وهو من عيون البلاغة الشعبية — فذاك من أعدل ما قيل فيه:
فديك العِدّة، كما هو معلوم، كائنٌ مأزوم الوجود؛ إن نهرته كسر الأواني، وإن تركته لوّثها… وكذلك المتمهج: إن واجهته أفسد النقاش، وإن تركته أفسد الذوق العام!
فالتمهجة، إذن، ليست مجرد ضعفٍ في الخطاب… بل هي حالة سياسية قائمة بذاتها، تستحق أن تُدرج تحت بند: “الكوارث اللغوية ذات الأثر الوطني”.
ثانياً: “الجَكومة”.
أما هذه، فهي نقلة نوعية من فوضى القول إلى فوضى الفعل.
“الجكومة” — كما استنبطها ناشطو الوسائط — هي: ممارسة السياسة بعضلات الكتف، لا بعضلات العقل، التي يبرع فيها سيد أحمد الجاكومي، أحد مهرجي السيرك السياسي.
والسياسي “المتجكم” لا يهمه أن يقنعك… يكفيه أن يرفع صوته، أو يلوّح بقبضته، أو يستعرض عضلاته كأنه في حلبة مصارعة لا في ساحة حكم.
هو لا يرى في الدولة مؤسسات، بل يراها “عدة تدريب”، ولا يفهم في الحكم إلا قاعدة واحدة: “إن لم تُهزم خصمك فكرياً، فجرّبه بدنياً!”.
والجكومة، بهذا المعنى، ليست فقط انحداراً في مستوى الممارسة السياسية، بل هي عودة صريحة إلى شريعة الغاب، ولكن ببدلة رسمية وربطة عنق.
بين التمهجة والجكومة: الوطن في غرفة الإنعاش
ما بين “التمهجة” التي تُفرغ الكلام من معناه، و”الجكومة” التي تُفرغ السياسة من عقلها، يقف الوطن — لا حائراً فقط — بل مستسلماً لضجيجٍ بلا فائدة، وصراعٍ بلا قضية.
فإذا تحدّث المتمهج، ضاع المعنى… وإذا تحرّك المتجكم، ضاع الوطن!
وهكذا، لا عجب أن تتحول الساحة السياسية إلى ما يشبه “سوق مواسير لغوي”: خطابات بلا قيمة، ومواقف بلا وزن، ووجوهٌ تتكرّر حتى ملّها الملل ذاته.
خاتمة: حين تصبح السخرية واجباً وطنياً
في مثل هذا الواقع، لا تكون السخرية ترفاً، بل ضرورة.
هي آخر ما تبقّى من مناعة شعبٍ يعرف أن الضحك — أحياناً — أبلغ من البكاء، وأصدق من الخطب الرنانة.
ولعل أعظم ما في هذا القاموس الجديد، أنه لا يكتفي بوصف العطب… بل يفضحه، يعرّيه، ويضعه أمام مرآةٍ لا تكذب.
فاستمروا، أيها السودانيون، في الابتكار… فقد فشل الساسة في إدارة البلاد، لكنكم — على الأقل — نجحتم في تسميتهم كما يليق بهم!
وما بين “التمهجة” و”الجكومة”… نكتشف، مرةً أخرى، أن اللغة — وحدها — ما زالت عاقلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.