مقدمة: في يوم الأربعاء القادم ١٥/ أبريل الحالي ٢٠٢٦، تكون حرب السودان قد أكملت عامها الثالث بالتمام والكمال، وهي حرب غدت كل تفصيلها وخفاياها واسرارها معروفة للجميع، وبمناسبة مرور ثلاثة سنوات عليها رأيت ان يكون مقال اليوم البحث عن إجابة واضحة ودقيقة لسؤال مطروح بقوة في الساحة السودانية والدولية، وهو سؤال ليس بالجديد وانما سبق طرحه من قبل عدة مرات، والسؤال هو- “بعد ثلاثة سنوات من الحرب ما هي إنجازات البرهان العسكرية والسياسية فيها؟!!”.
١/- توجهت بالسؤال أعلاه الي موقع “قوقل”، الذي يحتفظ بكثير من المعلومات والأخبار، وطلبت منه الإجابة، فأفاد- بعد أكثر من ثلاثة سنوات على انقلاب 25 أكتوبر 2021 وما تلاه من حرب في أبريل 2023، يرى مراقبون أن إنجازات الفريق أول عبد الفتاح البرهان تركزت على إعادة هيكلة السلطة لصالحه، تحصين موقعه عسكرياً، وتشديد القبضة الأمنية. ومع ذلك، فقد أدت هذه الفترة إلى نزاعات داخلية عميقة، موجات نزوح واسعة، تدهور اقتصادي، وانقسام في المشهد السياسي السوداني. وتشمل أبرز التطورات والمواقف في هذه الفترة:-
(أ)/- عادة هيكلة السلطة والسياسة: اتخاذ قرارات سياسية أدت إلى إعادة الإسلاميين للواجهة، وحل مؤسسات الفترة الانتقالية، ومحاولات مستمرة للجلوس والتفاوض مع القوى المدنية مع مماطلة في التنفيذ.
(ب)/- إدارة الحرب وتأمين الموقف العسكري: التركيز على إحكام السيطرة العسكرية وتأمين ثكنات محددة وسط ضغوطات أمنية، وإعلان مواقف قوية ضد الدعم السريع.
(ج)/- التحالفات السياسية والإقليمية: محاولة بناء تحالفات إقليمية (مثل العلاقات مع القاهرة وأريتريا) لاستعادة الشرعية بعد إدانات دولية واسعة إثر قراراته، واتخاذه موقفاً منفرداً في مفاوضات (مثل الاتفاق مع إسرائيل).
في المقابل، يصف معارضون هذه الفترة بـ “السنوات العجاف”، مشيرين إلى انهيار الخدمات الأساسية وتفاقم الأزمة الإنسانية.
انتهي-
٢/- واحدة من أكبر علامات فشل البرهان في حرب السبت ١٥/ أبريل ٢٠٢٣، انه لم ينجح في استقطاب واستمالة حلفاء يساندونه ويقفون معه، وفشل فشل ذريع مع حكومات عربية وأفريقية ان يقنعهم بالمشاركة الفعالة ضد عدو – يحاول تمزيق السودان-، ومن يتمعن بدقة في حال نظام بورتسودان اليوم، يجد ان ارتيريا وتركيا هما الدولتين الأبرز اللتين تساندان البرهان، مصر انسحبت انسحاب كامل من التعاون بعد ان سلم البرهان الجيش بكاملة للفريق أول (إخواني) ياسر العطا، واستغربت طهران شديد الاستغراب من إدانة نظام بورتسودان لها، ووقوفها مع الدول العربية في حربها ضد العدوان عليها من أمريكا وإسرائيل، وهي إيران التي قدمت الكثير من الدعم العسكري نظام بورتسودان، ومدته بطائرات مسيرة من طراز “مهاجر-4″، و”مهاجر6″، وكانت صحيفة “سكاي نيوز- عربية”، قد نشرت في يوم ١٠/ أبريل ٢٠٢٦، خبر جاء فيه، “ان مصدر إقليمي مقرب من الدائرة الحاكمة في إيران أفاد، ان شركة الطيران الإيرانية (قشم فارس إير) نقلت طائرات مسيرة إيرانية من طرازي مهاجر وأبابيل للسودان عدة مرات منذ أواخر العام الماضي. وطائرات مهاجر وأبابيل المسيرة تصنعها شركات تعمل تحت إشراف وزارة الدفاع الإيرانية، والتي لم ترد بعد على طلب للتعقيب. وتظهر سجلات تتبع رحلات جوية جمعها “فيم زويننبرغ” من منظمة “باكس” الهولندية للسلام وقدمها إلى “رويترز”، أنه في ديسمبر ٢٠٢٣ ويناير ٢٠٢٤، قامت طائرة شحن من طراز “بوينغ 747-200″ تابعة ل”قشم فارس إير بست” رحلات من إيران إلى بورتسودان، وهي قاعدة مهمة للجيش منذ سيطرة قوات الدعم السريع على مواقع استراتيجية بالخرطوم في الأيام الأولى من الحرب.
انتهي-
لقد كانت واحدة من إنجازات البرهان الغدر بالصداقة مع ايران ونسيان الدعم العسكري، ونسي البرهان انه هو من هرول الي ايران لإقامة علاقة جديدة بعد ان توقفت منذ عام ٢٠١٨!!
٢/- لقد فشلت كل محاولات البرهان في كسب ود السعودية وقطر بسبب تقلباته وعدم ثباته على موقف واضح في سياسته الدولية، وابتعدت عنه كل الدول الأفريقية تقريبا بسبب إصراره علي عدم وقف الحرب ورفضه التفاوض مع “الدعم السريع”، وكانت حكومات دول الجوار قد أفادت البرهان بالطرق الدبلوماسية، انها قد تضررت كثيرا من حرب السودان بسبب نزوح الملايين اليها، وطالته بوقف الحرب فورا، ولكن بالرغم من هذا الحال المزرى الواقع عليه، فانه يصر في عناد غريب على المضي قدماً في حرب كلفته ضياع ولايات كثيرة كانت تخضع لحكمه، وغدا حبيس في مدينة بورتسودان، رافضاً بشدة الانتقال للخرطوم الموبوءة بتلوث كيميائي، وعاصمة تعيش تحت حصار المسيرات التي ضربت أخيراً عمق الخرطوم وخربت المطار.
٣/- طوال فترة الثلاثة أعوام الماضية، فشل نظام بورتسودان في تحقيق أي إنجازات عسكرية حقيقية، بل حتي منطقة “هجليج” النفطية التي كانت في يد القوات المسلحة، قام البرهان في يوم ١١/ ديسمبر الماضي ٢٠٢٦، بتسلميها لقوات “الدعم السريع” وسط دهشة واستغراب من لم يستغرب من قبل علي تصرفاته المتقلبة.
٤/- دخل البرهان القائمة السوداء الأمريكية من أوسع أبوابها، فقد نشرت الصحف التي صدرت في يوم ألسبت ١٧/ يناير ٢٠٢٦، خبر جاء فيه:-
“وفق بيان لوزارة الخارجية الأمريكية، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البرهان وعلى شركة وأفراد متورطين في توريد الأسلحة. وأشار البيان إلى أنه “منذ شهر ديسمبر /كانون الأول 2023، ارتكب أفراد من القوات المسلحة السودانية جرائم حرب، وقد واصلت تلك القوات ارتكاب الفظائع منذ ذلك الحين بقيادة البرهان، بما في ذلك من خلال استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية وإعدام المدنيين”. وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في بيان: “واصل أفراد القوات المسلحة السودانية بقيادة البرهان ارتكاب فظائع خصوصا عبر استهداف مدنيين وبنية تحتية مدنية وإعدام مدنيين”. وأضاف “القوات السودانية المسلحة انتهكت القانون الإنساني الدولي واستخدمت التجويع تكتيك حرب وعرقلت جهود السلام”، في وقت ما زال النزاع في السودان مستمرا منذ نيسان/ أبريل 2023.”
انتهي-
٥/- واحدة من مأسي حرب السودان، أن وزارة الخارجية الأميركية أفادت، أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على السودان بعد ثبوت استخدام حكومته أسلحة كيماوية عام ٢٠٢٤ خلال صراع الجيش مع قوات “الدعم السريع”. وقالت المتحدثة باسم الوزارة تامي بروس في بيان، إن العقوبات ستتضمن قيوداً على الصادرات الأميركية وخطوط الائتمان الحكومية الأميركية، وستدخل حيز التنفيذ في السادس من يونيو تقريباً بعد إخطار الكونغرس، وفق رويترز. كما أضافت أن “الولايات المتحدة تدعو حكومة السودان إلى وقف استخدام الأسلحة الكيماوية والوفاء بالتزاماتها بموجب معاهدة الأسلحة الكيميائية” التي تحظر استخدام مثل هذه الأسلحة.
ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” في يناير نقلاً عن 4 مسؤولين أميركيين كبار أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيماوية مرتين على الأقل خلال الصراع. جاء الكشف عن استخدام الأسلحة الكيميائية قبل لحظات من فرض واشنطن عقوبات على البرهان، إثر توثيق ارتكاب قواته فظائع تشمل القصف العشوائي للمدنيين واستخدام التجويع سلاحاً، بحسب الصحيفة.
٦/- في يوم الخميس القادم ١٦/ أبريل ٢٠٢٦، تدخل الحرب أول أيامها في العام الرابع للحرب، فما هي التوقعات المحتمل وقوعها في المستقبل؟!!:-
أولا:- قد تنجح “أعمال مؤتمر السودان في برلين”، والذي سيعقد في العاصمة الألمانية في يوم الأربعاء ١٤/ أبريل، في زيادة الضغط على الطرفين المتحاربين للوصول إلى وقف فوري للحرب.
ثانيا/- في حال فشل “أعمال مؤتمر السودان في برلين”، قد يقوم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالتدخل في موضوع وقف الحرب، فقد سبق له ان اعلن من قبل في شهر نوفمبر الماضي ٢٠٢٥، أنه سيبدأ “العمل” على إنهاء الحرب في السودان بعدما طلب منه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان المساعدة في وقف النزاع، وأوضح ترامب خلال مشاركته في منتدى أمريكي-سعودي للأعمال أن “سمو الأمير يريد مني القيام بشيء حاسم يتعلق بالسودان”. وأضاف “لم يكن السودان ضمن الملفات التي أنوي الانخراط فيها، وكنت أعتقد أن الوضع هناك فوضوي وخارج عن السيطرة”.
ثالثا/- قد يقع انقلاب عسكري إسلامي بعد ان آلت الأوضاع في القوات المسلحة للجنرال المتطرف ياسر العطا، ويطيح بالبرهان الذي أصبح “فائض عمالة” في التنظيم الإسلامي، وهذا الانقلاب متوقع حدوثه بنسبة (٧٠%).
رابعا/- تشير التوقعات خلال الفترة القادمة، إلى ترسيخ الفريق أول عبد الفتاح البرهان لحكم منفرد عبر إعادة هيكلة قيادة الجيش، مع احتمالية إعلان نفسه رئيساً للجمهورية وإلغاء مجلس السيادة. يتوقع استمرار الحرب الأهلية، وتزايد الانقسامات الداخلية، وإحالات واسعة في صفوف القيادات العسكرية لتثبيت السلطة، بالتوازي مع تحديات اقتصادية وسياسية كبرى وتصنيف دولي محتمل.
خامسا/- بسبب تراجع دور القوى السياسية والمدنية لأسباب ذاتية منها افتقارها للقدرة على التطوير الذاتي والمواكبة، ولتأثرها بسنوات الحكم العسكري-الإنقاذي الطويلة، وبسبب تشظيها، ولنشوء حركات الاحتجاج المسلح في أطراف البلاد، وعدم توفر الاستقرار المطلوب لتوفير البيئة المواتية لنشوء مجتمع مدني قوي، فضلا عن تضعضُع الدولة السودانية، مما ينعكس سلبا على مجمل الأوضاع، قد تتمدد القوي اليمينية المدعومة بالحركات المسلحة وتزيد من قوتها.
سادسا/- مع عودة الحياة في الخرطوم وكثير من المدن، قد تتوسع رقعة الاحتجاجات الشعبية العارمة والتنديد ضد حكم العسكر الذي يحكم البلاد طوال سبعة أعوام بجيش “مسيس” غير قومي، ولم يقم بأي انجاز حقيقي طوال هذه السنوات العجاف، بل هم العسكر من قاموا بالحرب والتخريب.
سابعا/ هناك رأي قوي نشر عدة مرات بالصحف والمواقع السودانية وأفادت، ان الأوضاع الراهنة وتعقيداتها تجعل المستقبل مفتوحا على كافة الاحتمالات. ولكن تمدد الحرب وتوسع رقعتها وتعدد أطرافها، ودخول المقاومة الشعبية المسلحة، يمكن أن يقود إلى حرب أهلية. ويرى أن سيناريوهات المستقبل رهينة بمسار الحرب وموازين القوة العسكرية وكيفية وقف الحرب والرؤية السياسية لإنهائها.
ثامنا/- من السيناريوهات المتوقعة، توقف الحرب بمفاوضات تنتهي باتفاق بين الجيش و”الدعم السريع” على تشكيل جيش وطني موحد القيادة والعقيدة القتالية، وأن يتداعى السودانيون بكافة أطيافهم السياسية في هيئة للحوار السوداني بلا إقصاء لأي طرف من أجل مناقشة القضايا التأسيسية للدولة. وهذا السيناريو رغم صعوبة حدوثه مطروح بقوة في الخارج وضعيف الداخل.
تاسعا/- أن أي حرب إذا طال أمدها سيكون لها عواقب وخيمة ونتائج كارثية. ورغم أن الحرب الحالية تبدو بين طرفين، فإنها أحدثت انقساما سياسيا واجتماعيا واضحا بحكم استنصار “مليشيا الدعم السريع” بحواضن اجتماعية، وادعاء بعض قيادتها بأن قتالهم ضد مؤسسي دولة ١٩٥٦ “تاريخ استقلال السودان”، وكأنهم يتهمون السودانيين في وسط البلاد وشمالها الذين بدت لديهم روح عدائية لا تفرق بين الدعم السريع وقيادته وحواضنه الاجتماعية، وامتدت لتشمل دارفور والسودان.
عاشرا/- وصل الياس الي عدد كبير من السودانيين بسبب الحال المزرى ي البلاد، الي حد انهم طرحوا سؤال محبط حول ظهور مأزق جديد أمام تحقيق الشرعية: والسؤال يطرح احتمال تقسيم السودان إلى حكومتين والتساؤلات حول الشرعية، فبأي حكومة سوف يعترف المجتمع الدولي؟!! وعلى صعيد المواطن السوداني، فكيف سيقرر الاختيار بين الحكومتين لتلبية احتياجاته كالزراعة، أو الاقتراض من البنوك، وجواز السفر، والرواتب؟!! كل هذه التساؤلات تُبرز أن تقسيم السودان سيطرح الكثير من التحديات الغير مسبوقة والتي تجعل الوضع أكثر تعقيداً.
احدي عشر/- تكمن قمة المشكلة، في ان لا احد في السودان من: (الشعب، وأعضاء مجلس السيادة، ورئيس الوزراء، والوزراء في الحكومة الانتقالية، والمؤسسة العسكرية، والقوات المسلحة، وجهاز الخدمة المدنية، والسلك الدبلوماسي، ومنظمات المجتمع المدني، والاتحادات والنقابات.) يعرف كيف سيكون الحال مستقبلا بعد انتهاء الثلاثة سنوات علي الحرب ؟!!
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.