السودان بحاجة إلى بناء جيش وطني جديد

الجاك محمود أحمد الجاك

ظل إنتقاد القوات المسلحة والحديث عن مشاكلها في الفضاء الإعلامي من التابوهات السياسية بإعتبار الجيش خط أحمر ومن الثوابت الوطنية التي لا يجوز المساس بها مهما إرتكب من جرائم وإنتهاكات وفظائع. وهذا ما يفسر صمت وتواطؤ النخب النيلية وأعضاء النادي السياسي القديم بمختلف إنتماءاتهم وواجهاتهم السياسية والمدنية عند إرتكاب الجيش للإنتهاكات والفظائع وسياسة الأرض المحروقة ضد شعوب الهامش، فهؤلاء واعون بطبيعة الصراع والأدوات التي يستخدمها المركز لإدارة هذا الصراع ومن بينها الجيش. لكن حسنا أنه ومن واقع الرصد والمتابعة بدا لي أن هذا التابو أخذ ينكسر ويتلاشى تدريجيا رغم الرياح والأعاصير وهذا بفضل تنامي الوعي السياسي وتزايد الرغبة والإرادة في التحرر والإنعتاق من قيود وأغلال السودان القديم الذي بات يتداعى ويمضي نحو نهايته المحتومة بعد أن إنتهت دورته وإنكشفت عورته كما تقرأ المؤشرات.

رأيت ضرورة نشر هذا المقال بعد توقف طويل عن الكتابة، وذلك لأهمية موضوع المقال. وقد راودتني فكرة الكتابة بعد مطالعة مقال رصين ومهم لصاحب القلم الجريئ الرفيق بروفيسور خالد كودي من بوسطن في بحر الأسبوع الماضي تحت عنوان (من جيش الضبط الإستعماري إلى عنف الدولة الحديثة)، وبعد متابعة ورصد في الوسائط الإعلامية ووسائل التواصل الإجتماعي لتداعيات قرار البرهان الذي قضى بإعفاء نواب القائد العام للقوات المسلحة، وقراره بتعيين الفريق أول ياسر العطاء رئيسا لهيئة أركان القوات المسلحة وما صاحبها من تغييرات في هيئة أركان الجيش.

بدلا عن الإنشغال بإزاحة الجنرالين شمس الدين كباشي وإبراهيم جابر عن المشهد السياسي وتقليص نفوذهما العسكري والتغييرات التي طالت هيئة أركان القوات المسلحة كما هو الحال هناك أسئلة موضوعية ومشروعة من حق أي مواطن سوداني طرحها رأيت ضرورة التركيز عليها وهي:

١. لماذا ظل الجيش في السودان مؤسسة فوق النقد ومحمية من المساءلة والمحاسبة في حين أنه من أهم المؤسسات الوطنية التي تهم المواطن السوداني ويصرف عليها من مال هذا الشعب دافع الضرائب؟

٢. لماذا ظل الجيش على الدوام طرف غير محايد في الصراع والأزمات السياسية التي تحدث في السودان منذ العام ١٩٥٥، بدلا من إلتزام الحياد بإعتبار الجيش، أي جيش وطني يجب أن يكون رمزا للوحدة الوطنية؟!

٣. لماذا لا يتم بناء جيش وطني جديد في السودان. جيش مهني بعقيدة عسكرية وطنية جديدة. جيش يعبر في بنيته وقيادته ووحداته وتشكيلاته العسكرية عن واقع التنوع والتعدد الموجود في السودان. جيش تفخر به كل الشعوب السودانية مثل بقية الجيوش المحترمة في العالم؟!

وبدلا عن إهدار الوقت في قراءة كتابات وتحليلات النخب النيلية وإنتقاد تواطؤها مع الجيش. فقد آن أوان التحرر من اللهث وراء الكتابات والأحاديث التضليلية لهذه النخب. بل يجب تجاوزها والتركيز على القضية الأساسية التي تهم الأغلبية المتضررة من الأوضاع القائمة في السودان ولها مصلحة حقيقية في التغيير الجذري. فالقضية الجوهرية هي الحديث بوضوح عن الخلل البنيوي في المؤسسة العسكرية في الدولة السودانية وتشخيص مشاكل ما يسمى بالقوات المسلحة وعيوبها منذ نشأتها وتأسيسها والقفز إلى تحديد مطلوبات بناء جيش وطني جديد كواحدة من شروط الحل الجذري للمشكلة السودانية. قطعا لا يجدي الإنشغال كثيرا بصمت وتواطؤ النخب النيلية، فمعلوم أن القوات المسلحة بالنسبة لأعضاء النادي السياسي القديم ليس فقط جيشهم، بل هي العمود الفقري لمؤسسة الجلابة وأهم ركائز دولة ٥٦ أو السودان القديم بالمعنى الأدق، الحامي لسلطة الأقلية الحاكمة The ruling minority، الضامن لإستمرار هيمنتها والحارس لإمتيازاتها. وهم لا ينكرون ذلك حتى نغالطهم فيه، فقد ظلوا ينشدون ويتغنون لهذا الجيش منذ زمن بعيد (الحارس مالنا ودمنا ديل جيشنا جيش الهنا). فبدلا عن إهدار الوقت في قراءة كتاباتهم وتحليلاتهم الإنصرافية ومغالطتهم والجدل معهم حول إمكانية إصلاح هذه المؤسسة المعطوبة عبر برنامج إصلاح القطاع الأمني SSR والذي لا يعدو كونه خطوة إستباقية وإحتيالية تهدف إلى البناء على هذا الجيش القديم دون المساس ببنيته المختلة بالرغم من أنه أساس المشكلة في السودان. فقد آن أوان التحرر من اللهث وراء ما تقوله او تكتبه هذه النخب التي تدعي إحتكار المعرفة والحقيقة وإمتلاك حق توزيع صكوك الوطنية هذا الإبتزاز الرخيص الذي عفى عليه الدهر. وبيت القصيد هنا أنه من السذاجة السياسية أن نتوقع من هذه النخب إنتقاد الجيش، ناهيك عن إدانته أو المطالبة ببناء جيش وطني جديد، لأن هذا الجيش جيشهم. وبديهي أن الجاك لن يقبل بهدم البيت الذي بناه الجاك!!

هنالك عدة مؤشرات تؤكد وجود خلل بنيوي في المؤسسة العسكرية في السودان تتمثل هذه المؤشرات في الآتي:

أولا: قيادة القوات المسلحة:

هناك خلل بنيوي في بناء وتركيبة القوات المسلحة إستمر منذ نشأتها في ١٧ يناير ١٩٢٦ حيث كانت نواتها قوة دفاع السودان Sudan Defense Force التي أسسها المستعمر الإنجليزي لأهداف وأغراض إستعمارية معلومة. بعد الإستقلال لم تتم سودنة القوات المسلحة لتصبح مؤسسة وطنية، فقد إحتكر قيادتها أبناء الشمال والوسط النيلي بدءا من منصب القائد العام للقوات الملسحة، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة ونوابه، قادة الفرق والألوية، قيادة الإستخبارات وقادة الوحدات والتشكيلات العسكرية. بإستثناء بعض حالات الترميز التضليلي حيث تتم ترقية وتعيين جنرالات من أبناء الهامش من أمثال إبراهيم نايل إيدام، شمس الدين كباشي، حسن داؤد كبرون، مبارك كوتي وإبراهيم جابر ويتم توظيفهم وتحريكهم كدمي Puppets للعب أدوار مرسومة في مرحلة محددة ثم الإختفاء من المشهد بالإعفاء أو الإحالة إلى التقاعد بجرة قلم. وهؤلاء المستخدمون كترميز تضليليي مجرد كمبرادورات وليسوا من آل البيت أو أصحاب قرار وبالتالي لا يمكنهم تجاوز الدور المحدود المرسوم لهم أو تصحيح أي خلل في المنظومة العسكرية. فالقوات المسلحة في الحقيقة لا تمثل في قيادتها كل السودان ولا تعبر عن حقائق التنوع الموجود فيه وبالتالي هي ليست مؤسسة وطنية. وحتى وزارة الدفاع كوزارة معنية بالجيش وإدارة شئون الحرب والسياسات الدفاعية للدولة ظلت هي الأخري سيادية تحكترها الصفوة النيلية منذ الإستقلال.

ثانيا: العقيدة العسكرية:

ظلت العقيدة العسكرية للقوات المسلحة عقيدة غير وطنية، وليس أدل على ذلك أن جميع الحروبات التي خاضتها القوات المسلحة منذ العام ١٩٥٥م كانت وما تزال ضد الشعوب السودانية، ولم يشهد لها التاريخ أنها خاضت أى حرب لصد أي عدوان خارجي. كما أن القوات المسلحة لديها تاريخ طويل وسجل سيئ من الجرائم والإنتهاكات والممارسات ضد شعوب الهامش لدرجة ذبح وأكل أحشاء المواطن السوداني وبموجب هذا التاريخ والسجل ااسيئ صارت القوات المسلحة في نظر أبناء الهامش مجرد آلة للموت والدمار، وعبر آلة الموت هذه حولت الدولة أقاليم بعينها إلى ساحة للحروب الأهلية الدائمة وميادين للعقاب الجماعي والنتيجة هي تنفيذ سياسة الأرض المحروقة، جرائم التطهير العرقي، الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، بالإضافة إلى تهجير وتنزيح السكان من مواطنهم الأصلية وهى ذات المرارات التي دفعت جنوب السودان للتصويت في الإستفتاء لصالح الإنفصال بعد حربين أهليتين كلفت الجنوبيين أكثر من إثنين مليون شهيد وملايين اللاجئين والنازحين وغيرهم من ضحايا تلك الحرب العنصرية اللعينة. وكذلك النوبة ما زالت في ذاكرتهم القصف الجوي وإستخدام الأسلحة المحرمة دوليا ضدهم، بالإضافة إلى جرائم التطهير العرقي والمذابح والمجازر الجماعية التي إرتكبتها القوات المسلحة ومليشيات قوات الدفاع الشعبي الجهادية (قوة الإحتياط حاليا) في أعقاب إصدار فتوى إعلان الجهاد على النوبة من الأبيض في العام ١٩٩٣م تلك الفتوى التي إستباحت دماء النوبة وأموالهم وأعراضهم. لهذه الأسباب لا يمكن أن تنظر شعوب أقاليم الهامش للقوات المسلحة كجيش وطني وكرمز للوحدة الوطنية. أضف إلى ذلك أن حادثة فض إعتصام القيادة العامة قد أكدت هي الأخرى أن القوات المسلحة لا يمكن أن يعول عليها في الإنحياز لخيار الشعب، وأنها صارت غير مؤهلة لتجسيد شعار جيش واحد شعب واحد كما هتف شباب ثورة ديسمبر بعد الطريقة التي تم بها فض إعتصام (الجيش جيش الكيزان….الجيش ما جيش السودان).

ثالثا: القوات المسلحة أكبر مهدد للإستقرار السياسي ومقوض للنظام الدستوري في السودان:

صارت القوات المسلحة منذ العام ١٩٥٨م أدة للإنقلابات العسكرية، الأمر الذي جعلها أكبر مهدد للإستقرار السياسي ومقوض للنظام الدستوري في البلاد. وليس أدل على ذلك من أن العسكر في السودان وبسبب الإنقلابات العسكرية قد حكموا ستين عاما من أصل سبعين سنة هي عمر ما يسمى بإستقلال السودان، بينما حكمت الدكتاتوريات المدنية عشر أعواما فقط خلال هذه الحقبة التاريخية. وبالطبع ليس هناك إنقلاب عسكري في السودان لم يقف من وراءه حزب سياسي بما في ذلك الإنقلابات الفاشلة. حتى إنقلاب الجبهة الإسلامية رئيس الوزراء الأسبق الإمام الصادق المهدي كان متواطئا فيه بهدف إفشال مبادرة السلام السودانية (إتفاق المرغني – قرنق) وقطع الطريق أمام إنعقاد المؤتمر الدستوري وتجميد قوانين سبتمبر وإلغاء إتفاقية الدفاع المشترك التي وقعها المشير جعفر محمد نميري مع الرئيس المصري أنور السادات والرئيس الليبي معمر القذافي. ويعود السر وراء تكرار الإنقلابات العسكرية في السودان وتورط الأحزاب السياسية فيها إلى إصرار الجماعة المسيطرة على تكريس مشروعية العنف والإبقاء على هيمنة الأقلية الحاكمة. لذلك ظل يتم نعت أي إنقلاب عسكري ينفذه ضابط من أبناء الهامش بالإنقلاب العنصري أو المؤامرة العنصرية، فالإنقلابات العسكرية في السياسة السودانية حلال على الضباط من الشمال والوسط النيلي حصريا وحرام على الضباط من أبناء الهامش كما قالها أبوالقاسم محمد إبراهيم نائب المشير جعفر محمد نميري للرائد عباس برشم: (إنتو النوبة وقت بقيتو عاوزين تحكموا طيب منو بشيل جردل القازورات؟). بالإضافة إلى أن المؤسسة العسكرية في السودان ظلت مخترقة من قبل الأحزاب السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار (الأحزاب الطائفية – الحزب الشيوعي السوداني – الإشتراكيين العرب – الجبهة الإسلامية القومية….إلخ.)، الأمر الذي حولها إلى أداة للإتقلابات العسكرية وساحة للصراعات الأيديولوجية كما قلنا وبالتالي فإن هذا الجيش غير مؤهل وغير موثوق به لحماية النظام الدستوري والتي تعتبر أحد أبرز مهام الجيوش الوطنية في جميع دول العالم.

رابعا: إرتهان القوات المسلحة لأجندة الحركة الإسلامية:

تم إختطاف القوات المسلحة على علاتها وعيوبها في أعقاب إنقلاب الجبهة الإسلامية القومية المشؤوم في الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م، فصار جيشا مؤدلجا ومرتهنا لأجندة الحركة الإسلامية ولديه إرتباط بالجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية في السودان وخارج الحدود لأكثر من ثلاثين عاما. والنتيجة أن هذا الجيش قام بتفريخ المليشيات الجهادية وكتائب الظل التابعة للحركة الإسلامية. كما صار الجيش ذاته مصنفا منذ السنوات الأخيرة لحكم المخلوع عمر البشير كواحد من وكلاء إيران في المنطقة بسبب علاقته مع إيران من حيث التدريب والتسليح ودخول السلاح الإيراني في الحرب الحالية. لهذه الأسباب والحقائق مجتمعة أصبح السودان بحاجة إلى بناء جيش وطني حقيقي. جيش مهني بعقيدة عسكرية وطنية جديدة. جيش يتفق السودانيون على مهامه الأساسية وفقا لدستور السودان. ومعلوم أن جميع الجيوش المحترمة في العالم تتمثل مهامها الأساسية وفقا للدساتير في الآتي:

١. الدفاع عن وحدة وسلامة أراضي الدولة ضد أي إعتداء أو عدوان خارجي

٢. حماية النظام الدستوري

٣. الدفاع عن السيادة الداخلية والخارجية للدولة برا وجوا وبحرا

لن تجدي محاولة الإلتفاف على فكرة بناء جيش وطني جديد بطرح برنامج إصلاح القطاع الأمني SSR فالقوات المسلحة صارت أعطب من تنصلح SAF has become too deformed to be reformed ولا يمكن على الإطلاق أن يكون هناك حل جذري لمشكلة السودان مع وجود وإستمرار هذه المؤسسة لأنها صارت تمثل ليس فقط العمود الفقري لمؤسسة الجلابة، بل الحامي لسلطة وهيمنة الأقلية الحاكمة والحارس لإمتيازاتها. بإختصار شديد القوات المسلحة هي أساس الدولة العميقة في السودان. فهزيمة السودان القديم وتفكيك المركز يبدأ بتحطيم هذا الصنم المسمى بالقوات المسلحة وإنهاء أسطورة الحارس مالنا ودمنا وتمهيد الطريق لبناء جيش وطني جديد يفخر به كل السودان، بدلا من البناء على هذا الجيش القديم الذي فقد مقومات إستمراره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.