تجارة الحرب.. حين يُستأجر الغضب وتُباع معاناة السودانيين

نورا عثمان

ما جرى في برلين ليس مجرد حادثة عابرة، ولا يمكن اختزاله في مشهد فوضوي للاجئين غاضبين تُركوا في العراء. ما حدث هو نموذج صارخ لكيف تُدار معركة مضادة للسلام، تُستخدم فيها معاناة السودانيين أنفسهم كوقود، ويُستغل فقرهم واغترابهم في صراعات لا تخدم سوى أعداء الاستقرار.
أن يتم استقدام لاجئين سودانيين من أوروبا بطائرة مستأجرة، وتوجيههم للتظاهر والهتاف مقابل مبالغ مالية، ثم يُتركون لمصيرهم بعد انتهاء الدور المطلوب منهم، فهذه ليست فقط عملية خداع، بل سلوك يكشف عن مستوى خطير من الانتهازية السياسية. إنها محاولة رخيصة لشراء الضجيج، وصناعة مشهد زائف يوحي بوجود دعم شعبي، بينما الحقيقة أن ما يجري هو استغلال فج لمعاناة أناس فقدوا أصلاً كل شيء.
الأخطر من ذلك، أن هذه الواقعة تفضح بوضوح كيف تتحرك بعض التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي في الخارج، ليس من أجل إنهاء الحرب، بل لإرباك أي جهد دولي يسعى لوقفها. فمؤتمر برلين، الذي كان يفترض أن يكون منصة للبحث عن مخرج سياسي، تحوّل في نظر هؤلاء إلى ساحة يجب التشويش عليها، حتى لو كان الثمن هو كرامة اللاجئين أنفسهم.
ما قيل عن وعود بمبالغ تتراوح بين 150 إلى 200 يورو لكل فرد، مقابل التجمهر والهتاف، يكشف أن القضية لم تكن موقفاً سياسياً حراً، بل عملية “تأجير مواقف”. وعندما اختفت القيادات التي نظمت ذلك، وتركت هؤلاء الأشخاص بلا مال ولا وسيلة عودة، انكشف الوجه الحقيقي لهذه الممارسات: لا مبادئ، لا مسؤولية، فقط استخدام مؤقت للبشر ثم التخلي عنهم.
أعداء السلام في السودان لم يعودوا يكتفون بإشعال الحرب داخل البلاد، بل باتوا يلاحقون أي فرصة لإيقافها حتى خارج الحدود. إنهم يدركون أن أي تسوية سياسية حقيقية ستُنهي نفوذهم، لذلك يسعون بكل الطرق إلى إبقاء المشهد مرتبكاً، والصوت المدني مشوشاً، والصورة أمام العالم مضللة.
لكن ما لا يدركه هؤلاء هو أن وعي السودانيين، في الداخل والخارج، لم يعد كما كان. فهذه الحادثة، بدل أن تخدم أجندتهم، كشفتهم أكثر، وعرّت أساليبهم، وأظهرت إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا في سبيل تعطيل السلام.
القضية اليوم ليست فقط إدانة ما حدث، بل مواجهة هذا النهج بالكامل. لا يمكن بناء سلام حقيقي في ظل قوى تستثمر في الفوضى، وتقتات على الأزمات، وتتعامل مع البشر كأدوات مؤقتة. المطلوب موقف واضح: لا لاستغلال اللاجئين، لا لتزييف الإرادة الشعبية، لا لتحويل معاناة السودانيين إلى سلعة في سوق السياسة.
السلام في السودان لن يتحقق عبر هذه الأساليب، بل عبر إرادة حقيقية تُنهي الحرب، وتعيد الاعتبار للإنسان السوداني، أينما كان. وما حدث في برلين يجب أن يكون جرس إنذار، ليس فقط للمجتمع الدولي، بل لكل السودانيين: هناك من لا يريد لهذه الحرب أن تنتهي… وهناك من يستفيد من استمرارها، مهما كان الثمن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.