من خلال مشاركة حكومة بورتسودان في اجتماعات الربيع بواشنطن، ومشاركة حمدوك في برلين، ظهر أن المنصات الاقتصادية الدولية تفضل التعامل مع حكومة مدنية إصلاحية أكثر من حكومة عسكرية تخريبية، حتى لو كانت الأخيرة تسيطر على الأرض.
طيف أول:
حالة المنتصف بين الامتلاء والفراغ تجعلك لا تتعجل النتيجة، وتترك بعض الأشياء تمضي دون معنى.
فلا يمكن لقلبك أن يفرغها، كأنك تميل كأسًا بكاملها!
والحكومة السودانية اعتبرت أن مؤتمر برلين يمثل تدخلاً في الشأن الداخلي، فقط لأنه استبعدها وأعطى الشرعية للقوى المدنية، لذلك رفضته ووصفته بالتدخل. أي أنها تعاملت معه بموقف سياسي يهدف إلى نزع الشرعية عن أي مسار دولي لا تكون هي طرفًا فيه.
ورفض برلين يعني رفض أكثر من مليار دولار لمساعدة السودان في محنته.
لكن يبدو أنها، في المقابل، لا ترى أن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هو أحد طرق الاستعانة بالخارج وطلب المساعدة من المجتمع الدولي نفسه وقنواته المالية.
الخطوة ليست مجرد طلب دعم، بل تعامل مع مؤسسات مالية عالمية ودولية، الأمر الذي يؤكد أنها تحاول أن تُظهر أنها قادرة على إدارة الاقتصاد، وأنها صاحبة الشرعية في مخاطبة المؤسسات الدولية، حتى لو رفضت المسارات السياسية.
ومشاركة آمنة ميرغني حسن، محافظ بنك السودان المركزي، في اجتماعات الربيع بواشنطن وحضورها الاجتماع السنوي لمديرة عامة صندوق النقد الدولي مع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أكدت فيه أن حرب الخامس عشر من أبريل 2023 في عامها الثالث خلقت آثارًا اقتصادية بالغة، أفضت إلى تراجع الناتج القومي وتوقف معظم القطاعات الإنتاجية.
وهنا يظهر جليًا للقارئ أن حكومة السودان شاركت في الاجتماع لتمارس خديعتها على المجتمع الدولي لتحصل على المال، ولكن بغباء سياسي مستشرٍ.
فكيف لحكومة ترفض مؤتمرًا يدعو لوقف الحرب وتقديم المساعدات المالية في برلين، وتذهب لتتسول بسبب ما خلفته الحرب نفسها وما ترتب عليها من آثار اقتصادية بالغة في واشنطن، كيف؟!
فالمسؤول في بنك للتمويل الأصغر لا يفوته طرح السؤال لطالب التمويل: لماذا لا تعمل على إزالة المسبب لأزمتك المالية؟ ناهيك عن البنك الدولي الذي أوقف القروض بسبب الانقلابات والحروب.
ما تقوم به الحكومة يعني أنها في المسار السياسي ترفض أي منصة دولية تُقصيها أو تُحمّلها المسؤولية (مثل برلين).
وفي المسار الاقتصادي تظهر مضطرة لمد يدها إلى المؤسسات المالية الدولية، لأنها لا تستطيع مواجهة الانهيار الاقتصادي وحدها.
هذا التناقض يعكس أزمة الشرعية عندها؛ فالحكومة تريد أن تُظهر استقلالية سياسية، لكنها في الواقع تعتمد على الدعم الدولي لتجنب الانهيار الاقتصادي.
ولم تكتفِ محافظ البنك المركزي بذلك، بل اضطرت لطرح أسباب ثانوية تتجاوز بها السبب المباشر لأزمة السودان الاقتصادية.
فماذا قالت حتى يمنحها البنك الدولي قرضًا يكون قابلاً للقسمة على “لصوص حكومتها”؟ قالت إن التوترات الأمريكيةالإيرانية فاقمت الأزمة في السودان عبر ارتفاع أسعار السلع الاستراتيجية والمشتقات البترولية وتكاليف النقل والتأمين. “كذبة أولى” .
فلو توقفت حرب إيران، هل ستنخفض الأسعار في السودان وتقل تكاليف النقل والتأمين؟ وقبل ذلك، هل ارتفعت الأسعار لهذا السبب؟!
وماذا أضافت آمنة ،قالت إن حكومتها نجحت في تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي اعتمادًا على الموارد المحلية دون دعم دولي. (أي والله)… كذبة ثانية.
لكنها مع ذلك تطالب المجتمع الدولي وصندوق النقد بتقديم الدعم الفني والمالي، واستئناف مشاورات المادة الرابعة ومسارات إعفاء الديون!
ولا أدري من أين للحكومة بهذه الجرأة والثقة بالنفس؛ كيف لصندوق النقد الدولي أن يعفي ديون السودان “بمناسبة شنو”
ما هو الإنجاز الذي حققته حكومة بورتسودان اقتصاديًا أو سياسيًا حتى تُكرم بإعفاء الديون ؟! فالحكومة تجلس على مقعد حكم لدولة حرب قُتل فيها عشرات الآلاف وشُرّد الملايين، وتعيش عزلة دولية، قطعت علاقتها بكل الدول، وترفض مرارًا كل دعوات المجتمع الدولي لوقف الحرب. فما الذي يجعل البنك الدولي يستجيب لها ليمنحها قروضًا ويعفي لها الديون؟
وما عجزت عنه حكومة بورتسودان حققته اجتماعات عبد الله حمدوك المغلقة مع كبرى الشركات الألمانية في برلين، التي أثبتت أنها تحظى بقبول دولي واسع. وهو ما يعكس أن الحكومة التي أُطيح بها ما زالت أكثر حضورًا وقبولًا في المنصات الاقتصادية الدولية مقارنة بالحكومة الحالية.
فقد بحثت بقيادة حمدوك فرص إعادة إعمار السودان بعد الحرب، ونجحت في استعراض حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعات الحيوية، وركزت على أولويات ما بعد الحرب للاهتمام بالطاقة والنقل والموانئ باعتبارها محركات رئيسية لتعافي الاقتصاد.
ودعت إلى شراكات استراتيجية متكافئة تتجاوز الاعتماد على المساعدات، عبر توظيف الموارد السودانية مع الخبرات الدولية.
ما يعني أنهم قاموا ببناء جسور مع الشركات العالمية، ما يمنحهم قبولًا اقتصاديًا أكبر.
وهو ما يؤكد أن المجتمع الدولي يفضل التعامل مع القوى المدنية في الملفات الاقتصادية، باعتبارها أكثر جدية وواقعية في طرح خطط إعادة الإعمار.
وأن المنصات الاقتصادية الدولية تنظر إلى حمدوك وقوى “صمود” باعتبارهم أكثر قدرة على تقديم رؤية متماسكة لإعادة الإعمار، بعيدًا عن الخطاب السياسي المتصلب للحكومة الحالية.
فالشركات الألمانية التي أبدت استعدادًا للتعاون أكدت أن المجتمع الاقتصادي الدولي يرى في القوى المدنية شريكًا أكثر ثقة من غيره، لأنه يقدم خطابًا عمليًا يركز على التنمية والشراكات بدلاً من الصراع السياسي.
طيف أخير:
لا يمكن أن يفشل ما وُظف بسببه رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس كلاعب دولي، ينجح فيه أمجد فريد بإمكانيات “محلية”.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.