قفل عين وفتح عين.. إلى متى ننظر إلى التدخل الخارجي في السودان بالمزاج؟

مناهل أبو قيصص

منذ اندلاع هذه الحرب، والسودان يتفكك أمام أعيننا، بينما تتردد في وسائل الإعلام ومنصات التحليل السياسي نغمة غريبة ومحيرة؛ إذ يتركز الاهتمام على جهة واحدة فقط، وكأن بقية التدخلات الإقليمية الواضحة لا وجود لها.

الحرب في السودان لا تُدار بوقود قادم من محطة واحدة، بل تحولت البلاد -للأسف- إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية. دول عديدة تسعى إلى تحقيق مصالحها وتعزيز نفوذها على حساب دماء السودانيين، لكن بعض الخطابات الإعلامية تختار تضخيم دور طرف معين والتغاضي عن أدوار الآخرين. وهذه ليست قراءة سياسية منصفة، بل ازدواجية معايير تسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص إنهائها.

فعندما تتدفق الطائرات المسيّرة التركية والإيرانية إلى ساحات القتال، وعندما يستمر الدعم اللوجستي والاستخباراتي والعسكري القادم من بعض دول الجوار بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فبأي اسم يمكن توصيف ذلك؟ ولماذا يتم تجاهله؟

الرصاصة التي تنطلق من مسيّرة إيرانية أو تركية، أو الدعم الذي يعبر الحدود الشمالية أو غيرها من الحدود، عندما ينتهي أثره إلى مواطن بسيط في أم درمان أو بحري أو الفاشر، فإن النتيجة واحدة: مزيد من الموت والخراب، ومزيد من البيوت المهدمة فوق رؤوس أصحابها.

تكمن المشكلة في أن بعض الأصوات الإعلامية والسياسية تدين التدخل الخارجي وفق هوية الفاعل، لا وفق طبيعة الفعل نفسه. فإذا كانت الدولة المتدخلة منسجمة مع توجهاتهم السياسية، أصبح تدخلها “دعماً للشرعية” أو “واجباً إقليمياً”، أما إذا كانت تنتمي إلى محور آخر، فإن الخطاب يتغير بالكامل. وهذا ليس سوى تضليل للرأي العام لا يسهم في بناء وطن ولا في إنهاء الحرب.

لننظر إلى المشهد بعيون مفتوحة: – هناك دول جوار تتحرك انطلاقاً من مصالحها المباشرة المرتبطة بالأمن القومي وملفات المياه والنفوذ المستقبلي في السودان- وهناك قوى إقليمية، مثل تركيا، تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مساحة استراتيجية لمصالحها الجيوسياسية، وتشارك عبر صفقات السلاح والتقنيات العسكرية

كما وجدت إيران في الأزمة فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي وكسر جزء من عزلتها الدولية، عبر البحث عن موطئ قدم على الساحل الغربي للبحر الأحمر ومنافسة خصومها الإقليميين.

وفي المقابل، تتحرك قوى أخرى عبر الأدوات الدبلوماسية والإعلامية لضمان مواقع متقدمة في رسم ملامح السودان بعد الحرب وحماية استثماراتها ومصالحها الاستراتيجية.

 

وسط هذا التشابك الإقليمي المعقد، فإن فتح عين على طرف وإغلاق الأخرى عن بقية الأطراف يمنح الآخرين صكوك براءة مجانية، ويشجعهم على مواصلة صب الزيت على النار بعيداً عن أي مساءلة سياسية أو أخلاقية.

 

هذا الوقود الخارجي المتعدد -أياً كان مصدره- هو أحد أهم الأسباب التي تجعل أطراف الصراع السوداني متمسكة بمواقفها، وغير مستعدة للدخول في مفاوضات جادة وحقيقية؛ إذ يشعر كل طرف بأن خلفه داعماً إقليمياً قادراً على إمداده بالسلاح والعتاد ومنع هزيمته. أما النتيجة النهائية، فهي مزيد من التشريد للمواطن السوداني، ومزيد من الدمار للبنية التحتية ومؤسسات الدولة.

 

إذا أردنا أن نكون منصفين مع أنفسنا ومع وطننا، فعلينا أن نرفض التدخل الخارجي بجميع أشكاله وهوياته، وألا نمنح أي طرف حصانة سياسية أو أخلاقية. إن إنقاذ السودان يبدأ بالقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، والمطالبة بإغلاق كل منافذ السلاح والدعم الخارجي أمام جميع أطراف الصراع بلا استثناء.

 

فالسلاح الخارجي، مهما كان مصدره، لا يبني دولة ولا يصنع سلاماً.. وعندما يكون الوطن هو الضحية، لا معنى للتمييز بين داعم وآخر، ولا وجود لشيء اسمه «رصاصة حلال» وأخرى «رصاصة حرام».. فكل رصاصة تُطلق من خارج إرادة السودانيين هي سهم إضافي في جسد وطن أنهكته الحرب وأثقلته التدخلات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.