السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب.. صراع متعدد الوجوه وشبهات توظيف الإسلام السياسي لإطالة النزاع

متابعات– عين الحقيقة

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، لم يعد المشهد قابلاً للاختزال في مواجهة عسكرية بين طرفين، بل بات يعكس أزمة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والإنسانية والأيديولوجية، وسط تصاعد الاتهامات بشأن دور قوى منظمة في تعقيد الصراع وإطالة أمده.
وبحسب ما أورده موقع «الاتحاد»، فإن نحو 1100 يوم من القتال كشفت عن حجم غير مسبوق من الانتهاكات، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن الحرب تحولت إلى بيئة خصبة لتصفية الحسابات السياسية، وإعادة تموضع قوى كانت جزءاً من النظام السابق، من بينها عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

وتشير تقديرات أممية إلى نزوح ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً، مع تدهور حاد في الأمن الغذائي وانهيار شبه كامل للقطاع الصحي في عدد من المناطق..

أزمة إنسانية من الأسوأ عالمياً
منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، انزلقت البلاد سريعاً إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية على مستوى العالم. وتشير تقديرات أممية إلى نزوح ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً، مع تدهور حاد في الأمن الغذائي وانهيار شبه كامل للقطاع الصحي في عدد من المناطق. كما وثّقت تقارير دولية ومحلية انتهاكات واسعة النطاق، شملت القصف العشوائي واستهداف الأحياء السكنية والبنية التحتية، ما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا، بينهم نساء وأطفال، في ظل غياب أي أفق قريب لوقف إطلاق النار.
اتهامات متبادلة وتعقيدات ميدانية
في خضم هذا الواقع، تتزايد الاتهامات الموجهة إلى أطراف النزاع، بما في ذلك الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بارتكاب انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، خصوصاً في مناطق دارفور وبعض الأقاليم المتأثرة بالنزاع، حيث أُبلغ عن استهداف مدنيين على أسس عرقية. وتعكس هذه الاتهامات طبيعة الصراع المعقّدة، التي لم تعد مجرد تنافس عسكري على السلطة، بل نزاعاً متعدد المستويات تتداخل فيه الانقسامات السياسية والقبلية، إلى جانب التدخلات الإقليمية والدولية.
الإسلام السياسي في قلب المشهد
في موازاة ذلك، يرى مراقبون أن بقايا شبكات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان، ما زالت حاضرة داخل بعض مفاصل الدولة، وهو ما يثير تساؤلات حول تأثيرها في مسار الحرب. وبحسب هذه التقديرات، فإن هذه الشبكات تسعى إلى استثمار حالة الفوضى لتعزيز حضورها، وعرقلة أي مسار سياسي قد يؤدي إلى تفكيك نفوذها التاريخي.
ويشير محللون إلى أن عودة بعض الوجوه المرتبطة بالنظام السابق إلى الواجهة، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات غير رسمية، تعزز المخاوف من إعادة إنتاج ذات المنظومة التي حكمت البلاد لثلاثة عقود، ولكن في سياق جديد أكثر تعقيداً.
تداخل القرار العسكري والتأثيرات الأيديولوجية
أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية يتمثل في صعوبة الفصل بين القرار العسكري والتأثيرات الأيديولوجية، حيث يتحدث خبراء عن وجود تداخل بين حسابات الميدان ورهانات سياسية أوسع، ما يجعل فرص التوصل إلى تسوية سريعة أكثر تعقيداً. كما أن استمرار الحرب، وفق هذه الرؤية، لا يخدم فقط أطراف القتال المباشرين، بل يمنح أيضاً القوى الأكثر تنظيماً – بما في ذلك الجماعات المؤدلجة – فرصة لإعادة ترتيب صفوفها، والتأثير في مستقبل المشهد السياسي.
مخاوف من إطالة أمد الصراع
في ظل هذه المعطيات، تتزايد التحذيرات من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ترسيخ واقع الانقسام، وإضعاف فرص بناء دولة مستقرة. ويرى خبراء أن غياب جبهة مدنية موحدة، قادرة على الضغط باتجاه حل سياسي، يمثل أحد أبرز العوامل التي ساهمت في إطالة أمد النزاع.
وفي المقابل، تتواصل الدعوات الدولية والإقليمية لوقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية، إلا أن هذه الجهود تصطدم بتعقيدات الداخل وتشابك المصالح، ما يجعل التوصل إلى تسوية شاملة أمراً بالغ الصعوبة.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
بعد أكثر من 1100 يوم من الحرب، يقف السودان أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح الجهود السياسية في كسر دائرة العنف وفتح نافذة نحو الاستقرار، أو يستمر الصراع كحالة مزمنة، تعيد إنتاج الأزمات وتمنح القوى المنظمة فرصة أكبر لإعادة تشكيل المشهد وفق مصالحها. وبين هذا وذاك، يبقى المدنيون هم الخاسر الأكبر، في حرب لم تعد مجرد معركة على السلطة، بل صراعاً على مستقبل دولة بأكملها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.