لم يعد هناك مجالٌ للتأويل أو محاولات التجميل لقد اكتملت فصول السقوط النهائي لـ “دولة القانون” في السودان لحظة ظهور وزير العدل ووالي القضارف في مقطع فيديو “كارثي” بقرية “أم شجر”، وهما يتلقيان مراسم الاستقبال والمصافحة “بالأحضان” من المصباح طلحة، قائد كتيبة البراء بن مالك الإرهابية. إن هذا المشهد الصادم ليس مجرد هفوة بروتوكولية، بل هو توثيق حي لعملية “تسليم وتسلم” الدولة للميليشيا، وما كان لهذا العناق أن يحدث لولا الحقيقة المرة التي يدركها الجميع وهي أن وزير العدل الحالي ليس سوى أحد كوادر “المؤتمر الوطني” المحلول، ومحامي الدفاع عن المتهمين في بلاغ انقلاب 89 الشخص الذي كُرّس جهده المهني للدفاع عن مدبري الانقلاب على الديمقراطية، يُنصّب اليوم حارساً للعدالة، ليكون حائط صد قانوني يحمي التنظيم وكتائبه الإرهابية تحت مسميات جديدة.
إن حرية التحرك “غير الطبيعية” التي يحظى بها المصباح طلحة، والتي تجاوزت الميدان العسكري لتصل إلى اختراق المدارس وتكريم أوائل الطلاب، تكشف عن استراتيجية “تغلغل ناعم” بعيدة المدى ينتهجها الكيزان لاختطاف عقول الأجيال القادمة وتثبيت شرعية ميليشياوية بديلة عن شرعية الدولة. ففي “أم شجر”، لم تكن الدولة هي المستقبِلة، بل كان “المصباح” هو صاحب الدار والآمر والناهي، بينما كان الوزير الذي ارتبط تاريخه بالدفاع عن الانقلابيين والوالي مجرد ضيوف تحت حماية بنادق “كتائب الظل”. إن ارتماء وزير العدل في أحضان قائد ميليشيا يمثل قمة الانهيار القيمي، فهذا العناق هو “صك غفران” رسمي لكل الجرائم التي ارتكبها هؤلاء “الدواعش” في مناطق مثل “الكنابي” وغيرها، من سحل وتمثيل بالجثث، وهذا المسلك يهدف إلى إجهاض أي توجه دولي لتصنيف هذه المجموعات ككيانات إرهابية عبر دمجها قسرياً في مفاصل الدولة والحياة الاجتماعية.
لقد أثبت فيديو “أم شجر” أن السودان لم يعد محكوماً بمؤسسات عدلية مستقلة، بل بكتائب إرهابية يصافحها وزراء “مؤدلجون” بالأحضان، ليعلنوا للعالم أن القانون قد ركع تحت أقدام الميليشيا، وأن العدالة قد انتحرت في “أم شجر” على يد حارسها الذي خان قسمه المهني لصالح ولائه الحزبي. إنها الخيانة العظمى لسيادة الدولة، وإعلان صريح بأن هذه السلطة اختارت أن تكون “حاضنة للإرهاب”، موقعةً بهذا العناق على شهادة وفاتها الأخلاقية والقانونية أمام المجتمع الدولي.
وآخر قولي.. إن التاريخ لن يغفر، والذاكرة الوطنية لن تنسى تلك “الأحضان” التي تمت فوق أنقاض العدالة في “أم شجر”. إن ارتماء محامي مدبري الانقلاب الذي أصبح وزيراً للعدل في أحضان قادة الميليشيات الإرهابية هو المسمار الأخير في نعش شرعية هذه السلطة؛ فالدولة التي تستبدل ميزان العدالة بسيف الميليشيا، وتسمح لها باختراق المدارس وتشكيل وعي الأبناء، هي دولة قد استقالت من مهامها الحضارية والقانونية.
إننا أمام تحالف دموِي يضع السودان بأكمله في مواجهة خاسرة مع العالم، ولن يصح في النهاية إلا الصحيح: ستذهب الميليشيات وتذهب معها الحكومات التي احتمت بها، وسيبقى السودان وطناً يبحث عن عدالة حقيقية لا تعانق القتلة ولا تساوم على دماء الأبرياء.
Prev Post
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.