في برلين، حيث يفترض أن تُرفع لافتات السلام لا أصوات البنادق، خرجت مجموعات تهتف لبقاء الحرب في السودان. مشهدٌ يبدو للوهلة الأولى غريباً، لكنه في جوهره يكشف مفارقة قاسية: أن يتحول البعد عن المأساة إلى مساحةٍ لتبريرها. هناك، في شوارع مدينة أوروبية آمنة، يُطالب البعض باستمرار حربٍ لا يسمعون أزيز رصاصها، ولا يشمون رائحة موتها. وكأن الدم حين يُراق بعيداً، يصبح مجرد فكرة قابلة للنقاش.
هؤلاء الذين يتظاهرون من أجل الحرب لا يرون السودان كما هو الآن. لا يرونه وطناً ممزقاً بين جبهات القتال، ولا يرون أمهاتٍ يفترشن الأرض في معسكرات النزوح، ولا أطفالاً ينامون على جوعٍ طويل. الملايين الذين شُرّدوا داخل البلاد وخارجها لا يملكون ترف الشعارات، بل يملكون فقط غريزة البقاء. في مخيمات اللجوء، لا أحد يسأل عن الانتصار، بل عن وجبةٍ تكفي، ودواءٍ يُسعف، وأمانٍ لا يأتي.
التناقض هنا ليس سياسياً فحسب، بل إنساني في المقام الأول. كيف يمكن لإنسان أن يطالب باستمرار حربٍ يعرف أنها تقتل الأبرياء قبل أن تحقق أي هدف؟ كيف يصبح الخراب خياراً، والمعاناة وجهة نظر؟ إن الدعوة للحرب، من خارج جغرافيتها، ليست سوى شكلٍ من أشكال القسوة الباردة، حيث يُختزل الألم إلى خطاب، وتُختزل الأرواح إلى أرقام.
الحرب في السودان لم تترك مجالاً للحياد الأخلاقي. كل يومٍ تستمر فيه، تُضاف مأساة جديدة إلى سجلٍ مثقلٍ بما يكفي. إنها لا تعيد بناء دولة، بل تهدم ما تبقى منها. لا تصنع مستقبلاً، بل تسرق الحاضر من أهله. لذلك، فإن الدعوة إلى إيقافها لم تعد مطلباً سياسياً، بل ضرورة وجودية لشعبٍ يُدفع إلى حافة الفناء.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من الأصوات التي تؤجج الصراع، بل أصواتاً تجرؤ على قول الحقيقة: لا أحد ينتصر في حربٍ كهذه. الجميع يخسر، لكن الخسارة الأكبر تكون دائماً من نصيب البسطاء، أولئك الذين لا يملكون سوى حياتهم… وحين تُسلب، لا يبقى شيء.
في النهاية، لا يمكن للإنسانية أن تتجزأ. من يقف مع الحرب، يقف ضد الإنسان، مهما كانت شعاراته. ومن يقف مع السلام، لا يفعل ذلك بدافع الضعف، بل بدافع إدراك عميق أن الحياة، بكل هشاشتها، تستحق أن تُحمى… لا أن تُحوَّل إلى ساحة صراعٍ مفتوح.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.