نزع السلاح مقابل الشرعية… كواليس “المؤتمر السري” لإنقاذ إخوان السودان في أوروبا

محمد سبتي

كشفت معلومات دبلوماسية وسياسية عن حراك مكثف تقوده قيادات الحركة الإسلامية في السودان “حزب المؤتمر الوطني المحلول” صوب عواصم إقليمية ودولية، بحثاً عن موطئ قدم في تسوية ما بعد الحرب، وسط انقسامات حادة داخل التيار العقائدي الموالي للجيش وصلت حدّ الصدام بين صقوره حول ملف المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.

وفيما يدخل المشهد السوداني منعطفاً جديداً مع الزيارة المرتقبة للمبعوث البريطاني الخاص للسودان، ريتشارد كراودر، إلى الخرطوم في الأسبوع الأول من حزيران (يونيو) المقبل، حمل الموقف الأمريكي نبرة حاسمة؛ حيث أكدت وزارة الخارجية الأمريكية لـ “أفق جديد” التزام واشنطن الثابت -بتوجيه من الرئيس ترامب- بالعمل مع الحلفاء لتسهيل هدنة إنسانية، وقطع الدعم العسكري الخارجي، مشددة على ضرورة عودة السودان إلى الحكم المدني الموحد، معلنة “لا تعليق” على تحركات الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي.

ونقلت المصادر أنّ المبعوث البريطاني، ريتشارد كراودر، أنهى جولة إقليمية التقى خلالها في الدوحة وأنقرة والقاهرة بصقور التيار الإسلامي السوداني “المصنف في واشنطن تنظيماً إرهابياً”، وشملت اللقاءات: علي كرتي “الأمين العام للحركة الإسلامية” في الدوحة، بترتيب من القيادي أسامة عيدروس، ونافع علي نافع “مساعد الرئيس المعزول” في أنقرة، وإبراهيم غندور “رئيس الحزب المحلول السابق” في القاهرة.

ووفقاً لدبلوماسي غربي، فإنّ الإسلاميين قدّموا تنازلات سرّية كبيرة للمبعوث البريطاني تعهدوا فيها بدعم إيقاف الحرب مقابل إعادتهم إلى المشهد المدني وضمان عدم الملاحقة.

 وبحسب المصدر، فإنّ بريطانيا بدت الدولة الوحيدة التي أظهرت قدراً من التجاوب مع هذه التحركات نظراً لعلاقاتها التاريخية بحركات الإسلام السياسي، في حين قوبلت بقية محاولاتهم عبر منظمات دولية مثل “بروميديشن” بحائط صد إقليمي ودولي واسع.

وفي محاولة لابتزاز الدوائر الدولية أبلغت القيادات الإسلامية المبعوث البريطاني بأنّها “الجهة الوحيدة القادرة على جمع السلاح من الميليشيات المتطرفة التي تقاتل حالياً إلى جانب الجيش”، مستشهدين بتجربتهم التاريخية في تجريد قوات “الدفاع الشعبي” العقائدية من السلاح عقب اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية جنوباً دون تفلتات أمنية، ملوحين بأنّ إقصاءهم سيفتح السودان على احتمالات كارثية.

تنظيمياً، كشفت مصادر وثيقة عن توتر صامت وتصدع عميق بين علي كرتي “المقيم في الدوحة منذ 3 أشهر”، والقيادي المتشدد أحمد هارون “المطلوب للجنائية الدولية”.

وتعود الخلافات إلى مقترحات صاغتها قيادات إسلامية بالتنسيق مع الاستخبارات العسكرية، تقضي بالموافقة على تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية بشرط محاكمتهم في “المركز الإقليمي للمحكمة بالدوحة”، وهو ما يدعمه جناح كرتي الساعي لإيجاد مخرج سياسي يعيد إدماج الإسلاميين وينقذ التنظيم من تبعات تصنيفه الإرهابي.

في المقابل، يرفض أحمد هارون المستند إلى نفوذه الواسع داخل الكتائب والمجموعات العقائدية المسلحة المنخرطة في القتال بجانب الجيش أيّ تسوية، ويرى أنّ “استمرار الحرب هو المخرج الوحيد للحركة الإسلامية” للحفاظ على نفوذها العسكري ومكتسباتها.

وفي سياق متصل كشفت مصادر دبلوماسية وسياسية متطابقة لـ (حفريات) عن تحركات بريطانية متسارعة، يقودها المبعوث الخاص للسودان ريتشارد كراودر، لتنظيم مؤتمر مغلق في عاصمة أوروبية يجمع قيادات بارزة من الحركة الإسلامية السودانية “تنظيم الإخوان المسلمين”، بهدف صياغة مبادرة تضمن وقف الحرب مقابل تسوية تتيح لهم البقاء في المشهد السياسي المستقبلي، وتوفر لهم غطاءً قانونياً للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على قياداتهم.

وبحسب المعلومات الخاصة التي حصلت عليها (حفريات)، فإنّ العاصمة البلجيكية بروكسل أو العاصمة البريطانية لندن تُعدّان أبرز المقرات المقترحة لاستضافة هذا الاجتماع الرفيع الذي يأتي امتداداً للجولة السرية التي أجراها المبعوث البريطاني أخيراً، وشملت لقاءات مع صقور التنظيم في الدوحة، وأنقرة، والقاهرة، وعلى رأسهم علي كرتي، ونافع علي نافع، وإبراهيم غندور.

وأفادت المصادر بأنّ الأجندة المطروحة للمؤتمر الأوروبي المرتقب تتركز حول نقطتين جوهريتين: نزع السلاح مقابل الشرعية، وصيغة تسوية سياسية وقانونية تضمن “الخروج الآمن” للتيار الإسلامي، وتفادي ملاحقة قياداته عبر المحكمة الجنائية الدولية.

وفجّرت كواليس الإعداد لهذا المؤتمر تبايناً حاداً في قراءة مراقبي الشأن الدولي والدبلوماسيين الغربيين حول طبيعة الموقف الأمريكي، حيث يرى مراقبون أنّ بريطانيا تتحرك بشكل منفرد مستغلة علاقاتها التاريخية الطويلة مع حركات الإسلام السياسي في المنطقة، وأنّها تحاول فرض “أمر واقع” عبر تسوية سياسية سريعة تنهي الحرب، بعيداً عن المشاركة المباشرة للإدارة الأمريكية الحالية التي تتبنّى موقفاً متصلباً وصارماً تجاه الإسلاميين وصقور نظام البشير السابق.

في المقابل، تؤكد مصادر وثيقة لـ (حفريات) أنّ واشنطن ليست بعيدة عن المشهد، بل هي على “اطلاع مباشر” وتنسيق صامت مع التحركات البريطانية. وتفسر هذه المصادر الموقف الأمريكي بأنّه يتبع استراتيجية “تبادل الأدوار”؛ حيث تترك واشنطن لبريطانيا مرونة الحركة الدبلوماسية مع الكيانات المصنفة إرهابياً لاستكشاف مدى جديتها في تقديم تنازلات حقيقية، طالما أنّ الهدف النهائي يخدم الاستراتيجية الأمريكية الرامية لإنهاء الحرب السودانية، ووقف التدهور الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ورغم التحركات التي يقودها دبلوماسيون سابقون لإقناع أجنحة الحزب المحلول “بمن فيهم أحمد هارون وأميرة الفاضل” بالتخلي عن السلاح والانخراط في عملية سياسية مدنية برعاية بريطانية أمريكية، فإنّ هذه الطروحات تواجه برفض شعبي ومدني سوداني قاطع، يشدد على أنّ أيّ تسوية تتجاوز مبادئ العدالة والمحاسبة والمحاكمة على انتهاكات العقود الثلاثة الماضية لن تؤسس لاستقرار حقيقي في البلاد، وفق ما نقلت (الراكوبة).

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.