الشيخ الباكي نفاقاً يحمل الشعب السوداني مسؤولية اندلاع شرارة حرب أبريل…

الصادق حمدين

“البدا الحرب لا الدعم السريع لا الجيش في الأيام ديك زيادات في الخبز ترسوا الشوارع”……
مقتبس من فتوى الشيخ “الباكي” محمد الأمين إسماعيل
كعادة شيوخ الضلال، يفقدون مع كل منعطف تاريخي هيبتهم وبوصلتهم الأخلاقية، ويتخلّون عن رسالتهم في نصرة المظلوم والصدع بالحق.
وفي عهد الكيزان الغيهب، لم يعودوا شيوخاَ يهدون الناس إلى سواء السبيل، بل تحوّلوا إلى شاهد زور على العصر، وناطق باسم السلطان.
يكسون المواقف السياسية بعباءة الدين، ويمنحون الانتهازية ثوباً من القداسة الزائفة، حتى غدا خطابهم أداة لتبرير الظلم، لا لمقاومته، ولتزييف الوعي، لا لهداية الناس إلى الحق.
إن خطبة الشيخ الضال في نفسه والمضل لغيره محمد الأمين اسماعيل التي حمل فيها الشعب السوداني مسؤولية اندلاع حرب أبريل ليست مجرد زلة لسان، وإنما تعبير عن عقلية سياسية لم تتوقف يوماً عن احتقار إرادة الجماهير، ولم تغفر للشعب أنه خرج في ثورة ديسمبر المجيدة مطالباً بالحرية والسلام والعدالة.
إنها محاولة رخيصة وبائسة لإدانة الضحية وتبرئة الفاعل الحقيقي الذي يعرفه الشيخ الضلالي جيداً، وقلب الوقائع الأخلاقية رأساً على عقب، حتى يصبح المطالب بحقه متهماً، بينما يُقدَّم أصحاب السلطة الكيزان القتلة بوصفهم أبرياء من كل ما جرى.
أي منطق هذا الذي يعتبر أن خروج الشباب الثوري إلى الشوارع احتجاجاً على الغلاء والاستبداد وبحثاً عن حياة الحرية هو السبب في الحرب؟
وهل أصبحت المطالبة بالخبز والكرامة جريمة تستوجب العقاب الجماعي؟
إن مثل هذا الخطاب لا يدين الثورة، وإنما يدين أصحابه، لأنه يكشف أنهم لم يروا في الشعب يوماً مصدراً للشرعية، بل مصدراً للخطر الدائم كلما طالب بحقه في وطن خيّرْ ديموقراطي.
وحين يربط أحدهم بين احتجاجات ديسمبر وبين الحرب، ويستحضر عبارة أن “زيادة أسعار الخبز كانت تملأ الشوارع بالمتظاهرين”، فإنه، في نظر كثيرين، لا يخفي خصومته مع ثورة ديسمبر، بل يكشف أن معركته الحقيقية لم تكن مع أحد طرفي الحرب، وإنما مع الثورة نفسها؛ مع الشابات والشباب الذين كسروا حاجز الخوف، ومع الكنداكات اللاتي قدن المواكب، ومع جيل آمن بأن السودان يستحق دولة مؤسسات مدنية عادلة تقودها حكومة مدنية يختارها الشعب، لا دولة يحتكرها حزب أو جماعة منغلقة على نفسها أو مشروع أيديولوجي بائس.
هذه اللغة ليست لغة دعاة إلى الله، وإنما لغة دعاة إلى السلطة وصولجانها.
فالعالم الرباني يواجه الظالم بكلمة الحق، أما رجل الدين الذي لا يرى المأساة إلا بعين المجرم “علي كرتي” وجماعته، ولا يسمع أنين الضحايا إلا إذا وافق هوى جماعة “هي لله لا للسلطة ولا للجاه”، فإنه يفرغ المنبر الديني من رسالته، ويجعل الفتوى أداة للتبرير والتزلف لا وسيلة للإصلاح.
لقد علّمنا التاريخ أن أخطر ما يصيب الدين ليس هجوم خصومه عليه، بل استغلاله من قبل الأرزقية والمنتفعين باسمه.
فعندما يصبح المنبر منصة للدفاع عن السلطة بدلاً من الدفاع عن العدالة، وعندما تُستخدم النصوص لتبرئة الأقوياء وإدانة الضعفاء، فإننا لا نكون أمام خطاب ديني، بل أمام دعاية سياسية رخيصة ترتدي عمامة وتحتها لحية تقطر زيفاً ونفاقاً.
إن الشعب السوداني لم يخرج إلى الشوارع حباً في الفوضى، وإنما خرج طلباً لحياة كريمة، وعدالة غائبة، وسلام طال انتظاره.
ومن حق أي طرف أن يختلف مع الثورة أو يقيم نتائجها بصورة مختلفة، لكن تجريم المطالبة بالحرية، وتحميل الجماهير وزر الحرب، يمثل في نظر كثيرين انحداراً أخلاقياً قبل أن يكون انحيازاً سياسياَ.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن من يتحدثون بهذه اللغة يرفعون راية الدين رياءاً، بينما يغيب عن خطابهم جوهر الدين نفسه؛ فلا حديث عن مسؤولية أصحاب القوة، ولا عن حرمة الدماء ولا دعوة لايقاف الحرب، ولا عن واجب محاسبة كل من أسهم في دفع البلاد إلى حافة الكارثة، بل ينصرف السهم كله إلى صدور الشباب الذين لم يحملوا سوى أحلامهم ومستقبلهم، وإلى الكنداكات اللاتي حملن الوطن في هتافاتهن التي أخافت الكيزان وجعلت منهم فئران جزعة يختبئون في ظلمة أقبية الخوابي وحواري الأحياء القصية.
إن التاريخ لا يرحم من يبيع ضميره للسلطان، ولا يحفظ مكانة من جعل الدين مطية للسياسة.
فالسلطات تتبدل، والحكام يذهبون، أما الكلمة فتبقى شاهدة على صاحبها، إما له وإما عليه.
سيظل السودانيون مختلفين حول كثير من القضايا السياسية، لكنهم يدركون أن تحميل الشعب مسؤولية مآسيه هو أقصر الطرق إلى الإفلات من المحاسبة.

ومن يجعل الحرية جريمة، والثورة خطيئة، والشعب متهماً دائماً، لا يدافع عن الوطن، بل يدافع عن سردية تُعفي أصحاب النفوذ من مسؤولياتهم وتُحمّل المواطن وحده فاتورة التاريخ.

ولذلك فإن أخطر ما في هذه الخطب ليس ما قالته عن الثورة، بل ما كشفته عن أصحابها؛ فقد أظهرت، مرة أخرى، أن بعض شيوخ السياسة لا يزالون يرون الشعب خصماً يجب تأديبه، لا أمة يجب احترام إرادتها، وأن ولاءهم للسلطان يسبق ولاءهم لقيم العدل التي جاء بها الدين.
وعندما يبلغ الخطاب هذه الدرجة من الانحياز، فإن العمامة تفقد هيبتها، لأن هيبة الدين لا تصنعها الملابس، وإنما يصنعها الصدق، والعدل، والانتصار للحق يا لعارك أيها الشيخ الضلالي فالتاريخ يسجل.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.