هذا اللوبي غير المعلن يجعل ما بين البرهان وأفورقي الآن مجرد “خوف مشترك ” أكبر من كونه تعاونًا مشتركًا، سيما أنهما لا يتمتعان بسند دولي.
أطياف
طيف أول:
قطعة حلم نامت بين الاشتعال والانطفاء،
أمعنت في وهم الوهج، وناجت كل هلع غمسه الريح في شبه الشعور.
والسودان وإريتريا كلاهما يشعران بأن إثيوبيا تحاول فرض واقع جديد في البحر الأحمر.
وجاءت زيارة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى إريتريا في هذا التوقيت، وقد ترتبط بصورة مباشرة بصراع البحر الأحمر. فالمنطقة اليوم تعيش واحدة من أعقد لحظات التنافس الجيوسياسي، والبحر الأحمر أصبح محورًا تتقاطع فيه المصالح.
وفي هذا السياق، فإن أي تحرك دبلوماسي بين الخرطوم وأسمرا لا يمكن قراءته بمعزل عن معركة النفوذ على البحر الأحمر، خاصة بعد التصريحات الإثيوبية الأخيرة التي أدلى بها رئيس أركان الجيش الإثيوبي برهانو جولا، الذي دعا ضباط الجيش إلى الاستعداد لما وصفه بـ “مسيرة إثيوبيا نحو الحصول على منفذ بحري”، قائلاً إن المرحلة المقبلة تتطلّب جاهزية عالية لمواجهة التحديات.
وقال إن البحر الأحمر والقرن الأفريقي باتا أكثر عرضةً للصراعات وأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. وبعدها أيضًا خرج أبي أحمد بهذا التلويح، فأثارت هذه التصريحات قلقًا إقليميًا واسعًا.
فأسمرا والخرطوم كلاهما يدرك أن إثيوبيا تتحرك بثقة أكبر بعد اتفاقها مع الصومال، وبعد تقاربها مع بعض القوى الدولية، وأن أديس أبابا يدعمها لوبي خطير يشكّل تهديدًا واضحًا للدولتين.
لذلك فإن التنسيق مع إريتريا هو محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع أسمرا لتأمين الحدود الشرقية ومنع أي نشاط مسلح قد يهدد الجيش من جهة الشرق.
ومن ناحية أخرى، تحمل الزيارة رسائل سياسية واضحة، خصوصًا أنها تأتي في وقت تتصاعد فيه الاتهامات بأن إريتريا تقوم بتدريب قوات سودانية للمشاركة في الحرب، وهذا يجعل الزيارة تحمل طابعًا مزدوجًا.
فالسودان يدرك أن إثيوبيا تتحرك بثقة أكبر بعد اتفاقها مع الصومال وبعد تقاربها مع بعض القوى الدولية، لذلك تنسّق الخرطوم مباشرة مع أسمرا ضد أي تحرك إثيوبي منفرد.
فالزيارة محاولة لإظهار قوة الدولتين، فبرغم وضعهما الحالي، إلا أنهما يحاولان القول إنهما لن يسمحا بإعادة رسم خرائط النفوذ دون مشاركتهما.
ورغبة إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري بأي شكل، واستعدادها لاستخدام القوة أو الضغط السياسي، هي محاولة لخلق واقع جديد في الإقليم يضع السودان وإريتريا في دائرة مباشرة من التهديد.
ورغبة أديس أبابا في الحصول على منفذ بحري عبر الضغط السياسي أو الترتيبات الإقليمية هي محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي، وهو ما يعد تهديدًا ضمنيًا للدول المطلة على البحر الأحمر، وعلى رأسها السودان وإريتريا.
وإريتريا هي الدولة التي تقف مباشرة بين إثيوبيا والبحر الأحمر، وأي تهديد إثيوبي للبحر الأحمر يعني تهديدًا مباشرًا لإريتريا.
وأي تحرك سوداني نحو البحر الأحمر يحتاج تنسيقًا مع أسمرا، وبالتالي فإن أي صراع أو مواجهة إثيوبية–سودانية ستجعل إريتريا لاعبًا محوريًا.
والملاحظ أن البرهان، عندما كان يمر بظروف حرجة كالتي يمر بها الآن، كان دائمًا يتجه إلى مصر، لكن اختيار إريتريا بدلًا عنها يحمل دلالات سياسية عميقة، خصوصًا في ظل ما يبدو أنه تحييد أمريكي للدور المصري في الملف السوداني، وتكثيف واشنطن ضغوطها على القاهرة لعدم الانخراط في دعم البرهان في الحرب أو بالابتعاد عن الملف العسكري، مع التركيز على أن يكون دورها “وسيطًا ” لا “طرفًا”.
لكن تحالف البرهان وأفورقي يمكن أن يكون تحالفًا هشًّا مقارنة مع تحالفات إثيوبيا، فالرغبة الإثيوبية في الحصول على منفذ بحري عبر البحر الأحمر ترتبط بمصالح إماراتية في الموانئ الإقليمية (عصب، بربرة، عدن، مصوع)، ومع مصالح إسرائيل في أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة، وهذا يضع الدولتين في مواجهة محور أكبر وأكثر قدرة وتمويلًا.
فهذا اللوبي غير المعلن يجعل ما بين البرهان وأفورقي الآن مجرد “خوف مشترك “من الطموح الإثيوبي، أكبر من كونه تعاونًا مشتركًا، سيما أنهما لا يتمتعان بسند دولي.
ولكن إن اختارت المملكة العربية السعودية الوقوف إلى جانبهما، يصبح تحالف البرهان–أفورقي أقوى سياسيًا وربما استراتيجيًا، إذ إن دخول الرياض في هذا المحور يغيّر معادلة البحر الأحمر ويعيد توزيع موازين القوى في الإقليم.
لكن هذا التحالف لن يصمد أمام اللوبي الإثيوبي–الإماراتي، لأنه مدعوم من دول أخرى لا تظهر على الواجهة، وهذا المحور يغيّر معادلة البحر الأحمر ويعيد توزيع موازين القوى في الإقليم.
طيف أخير:
#لا_للحرب
بعد رفضه القاطع لمشاركة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، فإن أهم ما جاءت به رؤية إعلان المبادئ هو اعتماد برنامج عمل مكثف يمتد لثلاثة أشهر، يشمل تحركات جماهيرية وسياسية ودبلوماسية وإعلامية وحقوقية، بهدف حشد الدعم الإقليمي والدولي لإنهاء الحرب، وتوسيع دور القوى المدنية، ودعم جهود المساءلة وحماية حقوق الضحايا، والمطالبة بتوثيق جميع الانتهاكات، بما في ذلك الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.