الوحدة الوطنية: بين المفهوم والأزمة والبحث عن التماسك (4)

 

بقلم: محجوب حندوقة

نخلص إلى أن مفهوم الوحدة الوطنية يتفق عليه كل الباحثين الاجتماعيين والسياسيين، بأنه كل ما من شأنه أن يجمع الشعب ويلغي الحواجز بين فئاته المختلفة. فكلما ازدهرت العوامل الإيجابية قويت الوحدة الوطنية، وكلما ازدهرت العوامل السلبية تردّت الوحدة الوطنية. وأن الأنظمة المتسلطة الدكتاتورية تزكي العوامل السلبية، بينما الأنظمة الديمقراطية، على العكس، تزكي العوامل الإيجابية حتى تتحقق عناصر الوحدة الوطنية وتُقزَّم كل ما يفتت عقدتها.

وبذلك نعتبر أن السودان، منذ الاستقلال “النشأة”، بحاجة إلى أسس ترسّخ الوحدة الوطنية على قواعد علمية ومفاهيم صحيحة حتى نتمكن من بناء وحدة وطنية راسخة وقوية ومتينة، لا تهزها طوارئ الأحوال والرياح الكونية الموسمية. وهذا، لعمري، لا يأتي إلا من خلال جهد متصل ووفاق واتفاق بين فعاليات المجتمع المختلفة، متجاوزين محنة الحرب وحكم الإسلاميين وأبالسة جلاوزة النظام الإرهابي الذي أوردنا وأورد البلد موارد التفرقة والتمييز والتشتت وازدراء الشعب، وحالة الاحتقان السائدة بسبب المظالم الظاهرة والمتراكمة منذ الاستقلال، حتى وصلت بنا الحال إلى المطالبة بحق تقرير المصير كما حصل لجنوب السودان، في بلد لا يحتمل بكل المقاييس أن نُقضم منه شبراً واحداً.

ولكن هذا نتاج النهج اللامسؤول، والمعالجة صعبة إذا تمادينا في هذا السلوك، وليست مستحيلة إذا وضعنا القضايا الوطنية فوق كل شيء، وعندئذ نسمو ونرتقي. لذلك مطلوب منا إعداد التعبيرات السلمية والمعالجات المعتبرة والحلول المحفزة حتى نخرج من هذا المأزق التاريخي. أما إذا مضينا في نهجنا العنصري البغيض، كما هو الآن ماثل في شمال السودان، ومطالبتهم بإخراج أهل الهامش البسطاء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم من ذوي البشرة السوداء التي لا تشبه بشرة أهل الشمال كما يزعمون، فسوف تصل الحال إلى ما لا يُحمد عقباه، والآن قد بلغ السيل الزبى.

ومن الشواهد التي تحقق الوحدة الوطنية، ما جاء في بحث أجرته إصدارة ماليزية عن الوحدة الوطنية في ماليزيا عبر لجنة برلمانية تم اختيارها لهذا الغرض، إذ أكدت – بعد حديث طويل عن معنى الوحدة الوطنية – أنهم يرون أن نبحث من هذه المعاني:

الاعتراف بالتباين.

الالتزام بالتعددية.

احترام الديمقراطية.

التفاني من أجل العدالة.

التضامن مع كل من يحتاج إلينا.

ويتضح جلياً أن الذي يبرز هنا هو ذات العناصر التي ذُكرت آنفاً. ومن المعلوم أن الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان لم تترك لنا شيئاً يضيف إلى الوحدة الوطنية إلا وبذلت فيه جهداً كبيراً، وما يؤكد صحة ذلك جدلية الهامش والمركز التي أصبحت واقعاً معاشاً. والناظر إلى وضعنا الداخلي كسودانيين لا يحتاج إلى تبيان، ولكن من باب التأكيد والبحث عن المعالجات، من المهم أن نناقش ونلتمس الجرح، لأن الأمر أكبر من الحصر والعد والإحصاء.

التعليم:

يعد أساس تنمية الأمة ونهضتها، وهو سلاح المعرفة الذي يرتقي به الإنسان. غير أن النخب التي تعاقبت على الحكم، بسياساتها المشؤومة، أضعفت السلم التعليمي من خلال عملية تغيير المناهج المتكررة، ولم تترك للتربويين فرصة تنقيح المناهج برؤى علمية، وبالتالي بات ضحيتها أبناء جيلنا. ولم يُترك لهم مجال ليعيدوا أنفاسهم مرة أخرى، إلا القليل منهم، وذلك يكون بمدارس التعليم الخاص الجيد والمدارس النموذجية الممتازة – وليس المسميات – ودخلت السياسة بأوسع أبوابها، والساسة يشرّعون كما يشاؤون، مما خلق نوعاً من الضعف الأكاديمي في المدارس والجامعات بسبب الخلل الذي طال المناهج.

وبما أننا اليوم في عصر كثرت فيه المشاكل، وتعددت فيه الحكومات، وتعطلت عجلة التنمية وأغلقت الجامعات أبوابها، نأمل في نهاية المطاف، بعد أن تعاود المياه الجريان في مكانها الطبيعي، وتخضر الشجيرات التي على الضفاف وأصابها وابل الإهمال، أن تُخصص ميزانية محترمة للتعليم، وأن تُترك مسؤوليته للجهات المعنية بالشأن، وتُتاح لها فرصة مراجعة المناهج بالطرق العلمية، بعيداً عن نظرية إلغاء المنهج بالكامل، وبعيداً عن السياسة التي أوردتنا مورد الهلاك.

الخدمة المدنية:

من أهم عناصر الوحدة الوطنية ومحدداتها العدالة بين أبناء الشعب الواحد في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن الهيمنة الواضحة من قبل أبالسة الحركة الإسلامية الإرهابية التي تكالبت على مقاليد الأمور أفقدت الدولة قوميتها. ولعل هذا الأسلوب لم يعد وليد اللحظة، بل موروث منذ الاستقلال، مما ولّد أبشع أنواع العنصرية والتمييز ضد مواطنين عُزّل، كما هو الآن في مسيرات أهل الشمال ضد مواطنين بزعم أنهم ليسوا من جنسهم، ولا بينهم تشابه في اللون والعادات والتقاليد، ولا سيما أن من بين هؤلاء المواطنين أصحاب مؤهلات لا تقل عن تلك التي خرجت في جموع هادرة مطالبة بطرد كل من هو ليس من بني جلدتهم.

مدى تحقق الحرية:

وهنا تأتي عين الحقيقة وما نحن بحاجة إليه، وهو انعدام الحرية. وكان يجب ألا نتناول هذه النقطة، ولكن ضاق بنا الزرع وبلغ السيل الزبى، إذ أن هناك إجماعاً شعبياً على دكتاتورية وبطش وظلم وقع على الشعب من أبالسة الحركة الإسلامية الإرهابية التي جاءت إلى الحكم في “٨٩” على ظهر دبابة، وحكمت بالقوة والجبروت، وفككت النسيج الاجتماعي بسياسة التمكين والتمييز العنصري، كما نراه في العلن عبر مسيرات شمالية هادرة بغيضة تنادي بطرد مواطنين وهدم منازلهم فوقهم، وسن قوانين “الوجوه الغريبة” التي على إثرها قُتل الآلاف على أساس اللون بغير وجه حق.

إن انعدام الحرية وعدم تحقيقها يعد من أكبر الأسباب التي سجلت الكوارث في وطننا، وإذا لم نتدارك الأمر بشيء من التعقل والاتفاق على خطوط للتعاطي مع هذه التراكمات وخطابات الكراهية الماثلة التي سيصعب معالجتها، فإن الجروح التي تنزف إذا تُركت دون معالجة ناجعة من الجميع، سيصل الأمر إلى ما لم يخطر ببال أحد رغم ما حصل.

الدستور والشرعية:

منذ الاستقلال وحتى هذه اللحظة، استند نظام أبالسة الحركة الإسلامية الإرهابية على مشروعية البندقية والقمع، لأنه لا يستند إلى دستور. وحتى الذي وضعته بعض العناصر الحاكمة أقامته منقوصاً حسب مزاجها، ولم تُشرك فيه الشعب بكل فئاته، وحتى ذلك المنقوص لم يُطبق أصلاً، وهو ليس على مقاس الوطن، بل على مقاس أبالسة الحركة الإسلامية الإرهابية، وهذا يعد إجحافاً بحق شعب لا يستحق كل ذلك. كما أن المنقوص فيه الكثير من البنود والقوانين التي عطلت عجلة التنمية وشكلت حماية للفساد.

إننا إذا أردنا المضي قدماً، فلا بد من وضع دستور دائم ومكتوب ومعدّ يتوافق عليه جميع أبناء الشعب السوداني بمختلف فئاتهم وسحناتهم، عبر حكم مدني يراعي كل كبيرة وصغيرة ويحد من خطابات الكراهية التي ألبت المشاكل والفتن.

مشروع الوحدة الوطنية:

إذا كانت الوحدة الوطنية في أبهى مظاهرها تعني أن يكون الناس متساوين تماماً، ويشعرون بأنهم أبناء وطن واحد وأحرار فيه، فلا بد من تحقيقها، لأنها أكثر الموضوعات أهمية، بيد أنها أكثرها تضرراً، إذ ضُربت في مقتل جراء السياسات التي اتبعها نظام أبالسة الحركة الإسلامية الإرهابية على مختلف الأصعدة كما ذُكر آنفاً.

وبالرغم من الظلم، إلا أنه إذا خضع مشروع الوحدة الوطنية إلى حوار جاد وصريح حول القضايا المختلف حولها، وخلصت النوايا بالحرص عليها، فإن طريق الوصول إلى معالجة الاختلال والشروخ التي خلفها هذا النظام، والتي أصابت جسم وحدتنا في مقتل، ليس مستحيلاً. بل يمكن أن نصل إلى رؤية واحدة تحافظ على وحدة البلاد والشعب، ونتخلص من الفتن بصبر وبصيرة، حتى نؤسس لوحدة وطنية راسخة تُبقي ما تبقى من الشعب السوداني صانع البطولات من أجل وحدة أرضه وحريته.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.