من مجزرة “كُتم” إلى أسواق “دارفور”… حين يقتل إخوان السودان الحياة والفرح

محمد سبتي

في ظل استمرار النزاع المسلح الذي يمزق السودان، كشفت تقارير حقوقية وميدانية عن تصاعد خطير في وتيرة استهداف القوات المسلحة السودانية، المسنودة بميليشيات “الكيزان” وكتائب الحركة الإسلامية “جماعة الإخوان المسلمين”، للمناطق السكنية والقرى والمنشآت الحيوية. وتأتي هذه الهجمات، التي وُصفت بـ “الممنهجة”، لتؤكد تبنّي تحالف “الجيش والإخوان” لاستراتيجية تدمير البنية التحتية لإخضاع المناطق الخارجة عن سيطرتهم، دون مراعاة للقوانين الدولية الإنسانية.
مسيّرات الإخوان تقصف الأعيان المدنية
سقط عدد من القتلى والجرحى بين المدنيين في إقليم دارفور، أمس، جراء غارات جوية نفذتها طائرات مسيّرة تابعة للجيش السوداني بإدارة ميليشيات الإخوان، استهدفت مواقع متفرقة في ولايتي شرق ووسط دارفور.
في عاصمة ولاية شرق دارفور مدينة الضعين، استهدف القصف الجوي مناطق مأهولة بالسكان شملت حي الناظر، والمناطق الواقعة غرب السوق الكبير، ومحيط المنتزه، بالإضافة إلى المنطقة القريبة من وزارة الصحة. وأكد شهود عيان وقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة، مشيرين إلى أنّ حالة من الذعر سادت المدينة مع استمرار تحليق المسيّرات في الأجواء، ممّا أعاق عمليات حصر الضحايا بدقة.
وفي سياق متصل، طال القصف الجوي ولاية وسط دارفور، حيث استهدفت طائرة مسيّرة سوق منطقة “تلولو” التابعة لمحلية “أزوم”. ووقعت الضربة أثناء انعقاد السوق الأسبوعي الذي يشهد ازدحاماً كبيراً للمواطنين، ممّا أدى إلى سقوط ضحايا بين قتيل وجريح من المتسوقين.
مجزرة “كُتم”: استهداف الأفراح والمناطق السكنية
أحدث هذه الجرائم ما وثقه “المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان” ومجموعة “محامو الطوارئ”، فقد استهدفت طائرة مسيّرة تابعة للجيش وميليشيات الإخوان تجمعاً مدنياً في حي السلامة بمحلية “كُتم” بولاية شمال دارفور. الهجوم الذي وقع الأربعاء الماضي أصاب حفل زفاف، ممّا أدى إلى مقتل أكثر من 33 مدنياً، بينهم عدد كبير من النساء والأطفال.
وأشارت لجان المقاومة المحلية في تصريح نقلته وكالة (سودان نيوز) إلى أنّ هذا القصف ليس عشوائياً، بل يندرج ضمن سياسة “العقاب الجماعي” التي تنتهجها الميليشيات الإخوانية ضد الحواضن الاجتماعية في دارفور، في حين أكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في تصريح صحفي أنّ استخدام المسيّرات ضد الأعيان المدنية أمر “غير مقبول”.
حرب المياه… سلاح “الإخوان” لتركيع القرى
لم يتوقف الاستهداف عند القتل المباشر، بل امتد ليشمل مصادر الحياة الأساسية. ففي مطلع شهر آذار (مارس) شنت مسيّرات الجيش غارات استهدفت آبار المياه في قرية “أم رسوم” التابعة لمدينة الأبيض بشمال كردفان.
ويُجمع مراقبون على أنّ استهداف آبار المياه يمثل بصمة واضحة لكتائب “البراء بن مالك” والمجموعات الإسلامية المتطرفة “الكيزان” التي تقاتل بجانب الجيش، وتهدف هذه العمليات إلى التهجير القسري ودفع القرويين لمغادرة مناطقهم عبر قطع شريان الحياة الوحيد “المياه”، وتعريض المدنيين للأمراض والجوع كوسيلة ضغط عسكرية، إلى جانب إحداث دمار شامل في القرى والبلدات لمنع استقرار المدنيين فيها مستقبلاً.
كارثة النزوح: أرقام صادمة وصمت دولي
هذه الممارسات أدت إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العصر الحديث. وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد أُجبر نحو 11.5 مليون سوداني على الفرار من منازلهم، منهم 7 ملايين نازح داخلياً، و4.5 مليون لاجئ عبروا الحدود.
وتشير التقارير إلى أنّ “ميليشيات الإخوان” داخل مؤسسة الجيش تسعى من خلال هذا الدمار الممنهج إلى إعادة هندسة الديموغرافيا السودانية، مستغلةً غطاء العمليات العسكرية لتصفية حسابات سياسية واجتماعية قديمة، وهو ما يفسر تعمد قصف الأعيان المدنية وتدمير الخدمات الأساسية من رعاية صحية ومرافق مياه.
مسؤولية “الكيزان” عن دمار الدولة
إنّ ما يحدث في السودان اليوم، من قصف للأعيان المدينة والأسوق والأعراس واستهداف آبار المياه، يعيد إلى الذاكرة النهج الذي اتبعه نظام الإخوان المسلمين طوال 30 عاماً من الحكم. فالحركة الإسلامية “الكيزان”، التي أشعلت نيران هذه الحرب للعودة إلى السلطة، ما تزال ترى في تدمير الريف والمدن السودانية ثمناً مقبولاً لتحقيق مآربها التنظيمية، ممّا يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لمساءلة قادة هذه الميليشيات والجيش عن جرائم الحرب الموثقة ضد المدنيين العزّل.
صحفي أردني

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.