ما هي المشتركات بين الحركة الإسلاموية السودانية وعصابة المافيا الإيطالية ؟!

خالد عبد الله أبو أحمد

لا يهدف هذا المقال إلى المساواة المباشرة بين تجارب عصابات المافيا الإيطالية وما يُعرف بالحركة الإسلاموية السودانية، بل إلى تعريف القارئ بالمشتركات البنيوية العميقة التي تظهر عندما تتحول السلطة إلى شبكة مغلقة، استناداً إلى شواهد محلية وتقارير دولية. غير أن ثمة سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاوزه قبل الخوض في التفاصيل: كيف تتحول حركة تدّعي أنها تحمل مشروع الله في الأرض إلى منظومة تشبه في بنيتها العميقة وآليات عملها منظمةً إجرامية متكاملة الأركان؟

الجواب ليس في النوايا، فالمافيا أيضاً لها قيمها وشرفها الداخلي وولاؤها لـ(العائلة)، الجواب يكمن في البنية، في الطريقة التي تُنظَّم بها السلطة وتُوزَّع بها المكاسب ويُسكَت بها المعارضون وتُبنى بها شبكات الولاء فوق أنقاض المؤسسات. وتجربة الإسلامويين في السودان تمثل نموذجاً غنياً يمكن قراءته في ضوء مؤشرات عالمية حول العنف الدموي والفساد وتآكل المؤسسات وفساد الطوية، وما سيكشفه هذا المقال ليس مجرد تشابهات عرضية بل تطابق بنيوي مثير للقلق بين نظام أعلن أنه جاء بـ”مشروع حضاري” ونماذج الجريمة المنظمة التي درستها علوم الاجتماع والسياسة عقوداً.

في عالم المافيا، العنف ليس غاية بل أداة، أداة لإسكات المعارض وتصفية المنافس وإرسال رسائل الردع لمن تسوّل له نفسه الخروج عن الصف. وإذا قرأنا تجربة الإسلامويين في السودان بهذا المنطق فإننا نجد تطابقاً مذهلاً، ونموذج ذلك عملية اغتيال المهندس داوود يحيى بولاد بسبب انتقاده لسياسة التنظيم العنصرية. فمنذ انقلاب يونيو 1989، حين أطاحت الحركة الإسلاموية بالحكومة المنتخبة لتبدأ واحدةً من أطول الحقب الاستبدادية في تاريخ السودان المعاصر، اتسمت التجربة بعنف منهجي متعدد الأوجه. مرافق الاحتجاز السرية التي عُرفت بـ(بيوت الأشباح) كانت خارج أي رقابة قانونية، وشهدت ما وثّقته منظمات حقوق الإنسان من تعذيب ممنهج واختفاء قسري وإعدامات خارج نطاق القضاء.

تمدد التنظيم خارج الحدود

كانت تلك المرافق أداةً منهجية للحركة الإسلاموية لكسر الإرادة وزرع الخوف في المجتمع كله، تماماً كما كانت أقبية المافيا الصقلية أدوات ردع لا عقوبة فحسب. وفي دارفور وثّق محققو المحكمة الجنائية الدولية ما وصفوه بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب أسفرت عن مئات الآلاف من الضحايا وتشريد الملايين. ومحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عام 1995م في أديس أبابا كانت تعبيراً عن تمدد التنظيم خارج حدوده وقناعته بأن العنف أداة مشروعة لتصفية الخصوم على أي أرض، وهذا بالضبط ما فعلته المافيا الإيطالية حين اغتالت قضاة وسياسيين على أراضٍ بعيدة. فضلاً عن إشارات المطلعين إلى عمليات تصفية داخل النظام نفسه حين تتعارض المصالح، وهو ما يذكّر بـ”قانون الصمت” الذي تفرضه المافيا على أعضائها والعقوبة القصوى لمن يفكر في الخروج. الفارق الوحيد أن عنف المافيا يُمارَس باسم “الشرف والعائلة”، بينما عنف الإسلامويين السودانيين يُمارَس باسم “الله والدين”، وكلاهما يوظف المقدس لتبرير الإجرام.

أحد أعمق أسرار المافيا أنها لا تعمل في الظلام الكامل، بل على العكس تحتاج إلى واجهات شرعية لغسيل مكاسبها وتبييض صورتها. المطاعم والفنادق وشركات البناء التي تديرها عائلات المافيا ليست مجرد أغطية بل جزء من منظومة متكاملة لتحويل المال الحرام إلى ثروة شرعية. والإسلامويون السودانيون طوّروا هذه الآلية إلى مستوى يفوق ما وصلت إليه المافيا في بعض جوانبه، إذ استخدموا الدولة ذاتها كأداة للغسيل. شركة الأقطان نموذج لا يُنسى؛ شركة تعمل في القطاع الزراعي لكنها في الحقيقة كانت جزءاً من شبكة تحويل الثروة الوطنية إلى جيوب المقربين من النظام.

هذا النمط تكرر في عشرات الشركات التي أُسست في تسعينيات وألفينيات القرن الماضي، يمتلكها رجال التنظيم أو ذووهم، وتحظى بامتيازات حكومية استثنائية وتعمل في ظل غياب تام لأي رقابة. والبنوك الإسلامية كانت أداة أكثر ذكاءً؛ تحت غطاء “الاقتصاد الإسلامي” ومفاهيم المضاربة والمشاركة تأسست مؤسسات مالية خدمت في جوهرها شبكة التمويل التنظيمي وتحريك الأموال بعيداً عن أعين الرقابة. والمقاولون المقربون من التنظيم كانوا يحصلون على عقود البنية التحتية بصرف النظر عن الكفاءة، وكثير من هذه العقود انتهت بمشاريع منقوصة أو متوقفة بينما سُرِّبت الأموال.

تؤكد الدراسات الدولية أن الاقتصادات التي تهيمن عليها شبكات مغلقة تعاني من ضعف التنافسية وارتفاع الفساد نتيجة “احتكار الموارد داخل دوائر ضيقة”. وعائدات الذهب التي تمثل ثروة وطنية ضخمة لم تُترجَم في ميزانيات حكومية شفافة، بل استُنزفت عبر شبكات غسيل مرتبطة بعناصر النظام خدمت الأفراد لا الشعب. والديون الخارجية الضخمة التي حصل عليها النظام من مؤسسات دولية وحكومات خليجية كشفت التحقيقات التي أُجريت بعد سقوط البشير عن مصيرها في حسابات خارجية لمسؤولين في النظام.

قانون الصمت في المافيا الإيطالية

(أومِرتا) هي قانون الصمت في المافيا الإيطالية، لكنها في جوهرها قانون الولاء المطلق للعائلة فوق كل اعتبار آخر. من لا ينتمي للعائلة لا يحق له المشاركة في المكاسب، ومن يخون العائلة يدفع الثمن. والإسلامويون السودانيون طوّروا نسختهم الخاصة من هذا القانون وأسموها (التمكين). إن سياسة التمكين التي أعادت تشكيل الدولة السودانية جذرياً بعد 1989 لم تكن سياسة إدارية بقدر ما كانت مشروع استيلاء شامل على الدولة؛ إحلال أبناء التنظيم وموالوه في كل موقع يُمكّن من التحكم في الموارد واتخاذ القرار بصرف النظر تاماً عن الكفاءة أو الخبرة. الجيش والأجهزة الأمنية كانت الأولوية الأولى، إذ جرت إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بإدخال عناصر موالية للتنظيم وتهميش الضباط ذوي الكفاءة غير المنتمين وإنشاء أجهزة موازية كقوات الدفاع الشعبي التي كانت ذراعاً تنظيمياً أكثر من كونها قوة دفاعية. والقضاء تعرض لاختراق ممنهج عبر تعيين قضاة موالين وتهميش المستقلين منهم بالإحالة للتقاعد المبكر أو النقل لمحاكم نائية.

التعليم كان ميدان المعركة الأطول أمداً؛ إعادة صياغة المناهج لإنتاج جيل تشكّل وعيه في قوالب التنظيم وتحويل المدارس والجامعات إلى حواضن لاستقطاب الأعضاء الجدد. وهذا ما أنتج المفارقة المؤلمة: جاء الإسلامويون بشعار “الدولة الإسلامية” فأنتجوا “دولة فاشلة”، من نظام تعليمي كان يُنتج كفاءات موزعة على طول العالم العربي وأفريقيا إلى نظام هشّ تضخّمت فيه شهادات الدراسات الإسلامية على حساب العلوم التطبيقية. والجهاز الإداري للدولة السودانية الذي كان تاريخياً أحد أرقى الأجهزة في أفريقيا جرى تهميش أجياله المدربة لتحلّ محلها كوادر التمكين غير المؤهلة. وشبكة السكك الحديدية التي كانت شرياناً اقتصادياً حيوياً توقفت عملياً، والمستشفيات الحكومية تحوّلت إلى هياكل فارغة تفتقر للأدوية والأجهزة والكوادر. تشير أبحاث علمية إلى أن نمط تفضيل المجموعة الداخلية على حساب الكفاءة يزيد من مخاطر الفساد ويضعف الأداء المؤسسي، وكلما تعمق التمكين كلما تراجعت فاعلية المؤسسات وتضخم الفساد.

دولة فاشلة بشعار إسلامي..!!

الأرقام لا تكذب وهي في حالة السودان فاضحة بشكل لا يحتمل التأويل. وفقاً لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية سجّل السودان نحو أربع عشرة نقطة من مئة في عام 2025، وهو مستوى يعكس “فساداً شديداً في القطاع العام” وفق تصنيف المنظمة ذاتها، محتلاً مراتب متأخرة جداً في حدود مئة وسبعين من مئة وثمانين دولة. ومن خلال معايشة شخصية مع مسؤول رفيع في التنظيم، عِشتُ تجربة جلب أموال الشركة الحكومية إلى المنزل للصرف على الضيوف والمقربين وابتكار المناسبات الاجتماعية الخاصة لإضاعة المال العام. والمفارقة أن ذات المسؤول الفاسد، وبأمر من الرئيس المخلوع عمر البشير، جرى ترقيته ليكون مديراً عاماً للإدارة العامة للمراجعة الداخلية لأجهزة الدولة القومية..!

لكن ما لا تقوله الأرقام هو الكيفية؛ كيف نُهبت عائدات النفط بعد اكتشافه في التسعينيات بدلاً من توظيفها في تنمية البلاد، وكيف تحوّل السودان من مخزن غذائي محتمل للمنطقة إلى دولة تعتمد على الاستيراد وتعاني شح الدقيق والوقود والدواء. المافيا لا تزدهر في الضوء، وأي نظام يعمل بمنطقها يحتاج بالضرورة إلى إدارة الظلام. غياب الإفصاح المالي كان سمةً متجذرة في أدبيات التنظيم؛ لم تُنشر ميزانيات حكومية شفافة لسنوات متواصلة، والمصروفات الأمنية كانت دائماً بنداً سرياً خارج أي رقابة. ومسؤولون حكوميون كانوا يمتلكون في الوقت ذاته شركات تتعاقد مع الحكومة، ووزراء يشرفون على قطاعات يستثمرون فيها بشكل مباشر، لم يكن هذا تضارب مصالح استثنائياً بل كان النموذج الطبيعي المقبول للحكم. وديوان المراجعة الوطني تحوّل إلى هيكل شكلي بلا أسنان والقضاء المستقل مُقيَّد والصحافة الحرة مكمَّمة. وتربط منظمة الشفافية الدولية بين الفساد المرتفع وبين “تراجع الديمقراطية وعدم الاستقرار”، وهذا يتسق تماماً مع الحالة السودانية.

دائرة جهنمية لا تنكسر

المافيا تنتج فوضى وتستثمر في الفوضى في آنٍ واحد، الفوضى تضعف الدولة وضعف الدولة يتيح للمافيا العمل بحرية أكبر وهذا ينتج فوضى أعمق، دائرة جهنمية لا تنكسر إلا بتدخل خارج المنظومة ذاتها. والسودان عاش هذه الدائرة بأكملها؛ الحروب المتعددة التي خاضها النظام في الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق لم تكن مجرد صراعات سياسية بل كانت اقتصادات كاملة، المقاولون المرتبطون بالنظام يربحون من تجهيز الجيش والمسؤولون يتاجرون في السلاح والوقود والحرب تُنتج ذرائع لتعليق الديمقراطية ومنح الأجهزة الأمنية صلاحيات استثنائية.

ملايين المشرّدين واللاجئين الذين أنتجتهم حروب النظام كانوا أداة ضغط على المجتمع الدولي لانتزاع دعم مالي، وفي فترة من الفترات مثّل استضافة تنظيمات متطرفة ورقةَ ضغط وتفاوض مع الغرب. توضح تقارير دولية أن الدول التي تعاني من فساد مرتفع غالباً ما تشهد نزاعات وانقسامات وضعفاً في الأمن البشري، وأن “الفساد الممنهج وضعف الضوابط وتقلص الحيز المدني” عوامل أساسية لعدم الاستقرار. وهذا الإطار يساعد على فهم كيف يمكن أن تتحول الشبكات المغلقة إلى عامل بنيوي في إنتاج الأزمات.

التجربة السودانية أشد خطورة من المافيا الإيطالية

هنا يكمن الفارق الجوهري الوحيد بين المافيا والإسلامويين السودانيين، وهو في الوقت ذاته أخطر ما في التجربة السودانية. المافيا لا تزعم أنها تعمل باسم الله، أما الإسلاميون فقد ابتكروا ما يمكن تسميته “الفساد المقدس”؛ الجريمة البنيوية ذاتها لكن مغلّفة بخطاب ديني يجعل محاسبتها أمراً عسيراً. حين تُفسد أو تقتل أو تنهب باسم مشروع دنيوي يسهل محاسبتك ونقدك، لكن حين تُفسد وتقتل وتنهب باسم “الله ودينه وشريعته” فإنك تُضيف طبقة إضافية من الحصانة تجعل حتى الضحايا يترددون في المواجهة خشية أن يُتهموا بمعاداة الدين.

كل فساد له تأويل فقهي يبرره، وكل قتل يُصاغ في لغة “الجهاد وصون الإسلام”، وكل نهب يُعاد تعريفه كـ”تمكين لأهل الحق”، وكل معارض يُصوَّر مرتداً أو عميلاً للغرب أو عدواً للإسلام، وهذا ما يجعل التجربة السودانية أشد خطورة من المافيا الإيطالية؛ المافيا تُجرَّم علناً وتُلاحَق قضائياً، أما الإسلامويون فقد نجحوا لعقود في تحصين أنفسهم بجدار من القداسة الزائفة، ومن عاش التجربة من الداخل يعرف أن ثقافة الولاء المطلق للتنظيم كانت تتقدم على الولاء للمبادئ، وأن الأعضاء الذين رأوا الفساد وآثروا الصمت كانوا يعرفون أن الكلام يعني التهميش أو الأذى، وأن الأيديولوجيا كانت تبني جداراً بين المشاهَد والمُصدَّق.

تكشف الشواهد المحلية، حين تُقرأ في ضوء المؤشرات الدولية، أن المسألة لا تتعلق فقط بحالات فساد منفردة بل بنمط حكم تتقاطع فيه السلطة مع شبكة مصالح مغلقة تُنتج آلياتها بصرف النظر عن الشعار الذي ترفعه. هذه المشتركات من الاقتصاد الموازي والولاء بدل الكفاءة وضعف الشفافية وتآكل المؤسسات والعنف كأداة وقانون الصمت هي سمات معروفة عالمياً في الأنظمة التي تنحرف عن منطق الدولة الحديثة، سواء اتخذت اسم المافيا أم اتخذت اسم “المشروع الحضاري“.

والسؤال الذي يطرح نفسه في الختام: لماذا نجح الإسلامويون السودانيون في الاستمرار لأكثر من ثلاثة عقود حين فشلت مافيات كثيرة في الصمود طويلاً أمام الضغوط القانونية والمجتمعية؟ الجواب في ثلاثة عوامل متشابكة: الغطاء الديني الذي منح الفساد هالة من القداسة الزائفة، وغياب مؤسسات رقابية مستقلة وفاعلة كانت ستضيق الخناق عليهم مبكراً، وصمت دولي انتقائي من قوى كانت تجد في النظام شريكاً في ملفات أمنية وإقليمية بصرف النظر عن سلوكه الداخلي.

هذه الدروس الثلاثة ليست سودانية خالصة بل هي دروس لكل مجتمع يقف في مواجهة حركات تحمل في يد المشروع الديني وفي اليد الأخرى ترسانة الفساد والعنف. في النهاية تبقى المعايير الحاسمة لأي تجربة سياسية سيادة القانون والشفافية واستقلال المؤسسات، وهي المعايير التي تتيح تقييماً موضوعياً بعيداً عن الشعارات، وهي المعايير ذاتها التي تخشاها المافيا وتخشاها كل منظومة فساد منظمة بغض النظر عن الراية التي ترفعها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.