في المشهد السياسي السوداني المعقد يبرز تيار “الإسلامويين” أو ما يُعرف محلياً بـ “الكيزان” كلاعب لا يمكن تجاوزه ليس فقط لقوة تنظيمه التاريخية بل لطبيعة “النسق الفكري” الذي يدير به معاركه. لفهم كيف يفكر هذا التيار يجب الغوص بعيداً عن السطح الشعاراتي وتحليل “البرمجيات” السياسية التي تحرك كوادره وقياداته.
1. عقيدة “التمكين” كمرجعية وجودية
يفكر “الكيزان” من منطلق أن الدولة ليست مجرد جهاز إداري بل هي غنيمة وحصن. فكرة “التمكين” لديهم تتجاوز مجرد الوظيفة العامة؛ إنها اعتقاد بأن السيطرة على مفاصل الاقتصاد والأمن، والقضاء هي “واجب شرعي” لحماية المشروع من الاستئصال.
هم لا يرون في الديمقراطية غاية بل وسيلة (تكتيك). لذا عندما يشعرون بتهديد وجودي ينتقل التفكير فوراً من “المنافسة السياسية” إلى “البقاء العسكري والأمني”.
2. البراغماتية المتطرفة (الميكافيلية الإسلاموية)
يمتاز العقل الكوزي بمرونة مدهشة في تغيير المواقف. يمكنهم التحالف مع النقيض الأيديولوجي إذا كان ذلك يخدم استمرار التنظيم.
التحالفات المتناقضة: فكرهم لا يجد حرجاً في تبني خطاب ثوري اليوم، وخطاب سلطوي غداً. هذه “السيولة” تجعل الخصوم دائماً في حالة ارتباك حيث يعتمد الكيزان على قاعدة “نحن حيث تكون المصلحة التنظيمية”.
3. “عقدة الحقيقة المطلقة” وإدارة العداء
يفكر هذا التيار بعقلية “الفرقة الناجية”؛ أي أنهم يمتلكون الحقيقة السياسية والدينية المطلقة وما دونهم هو “يسار علماني” و “عميل للخارج” أو “قوى كافرة”.
فرز المجتمع: هذه الرؤية تقسم السودان إلى (نحن) و(هم). هذا التفكير الاقصائي هو ما يفسر عدم قدرتهم على الاندماج في نظام ديمقراطي تعددي حقيقي لأن التعددية تتطلب اعترافاً بندية الآخر وهو ما يصطدم بتركيبتهم النفسية.
4. استراتيجية “الفوضى المنظمة” (الاحتراق أو الحكم)
في اللحظات التي يفقدون فيها السلطة ينتقل العقل الكوزي إلى استراتيجية “تسميم الآبار”. يبرعون في صناعة الأزمات و ضرب الاقتصاد، وإثارة القلاقل الأمنية لإثبات أن “البديل” فاشل.
الرسالة الضمنية: “إما نحن أو الطوفان”. هذا النمط من التفكير يفسر الكثير من أحداث “الثورة المضادة” في السودان حيث يتم استغلال الأزمات المعيشية لإحباط الشارع من أي تحول مدني.
5. مركزية “الخارج” في العقل الجماعي
رغم خطابهم السيادي إلا أن تفكير الكيزان مرتبط بشدة بـ المحاور الدولية والإقليمية. هم يقرؤون التحولات العالمية (مثل صعود اليمين أو صراعات القوى الكبرى) من زاوية واحدة كيف نجد ثغرة لنعود من خلالها؟
هم “تجار فرص” بامتياز ينتظرون تبدل المزاج الدولي لتقديم أنفسهم كـ “شريك أمني” قادر على مكافحة الإرهاب أو ضبط الهجرة مقابل غض الطرف عن طبيعة حكمهم.
6. الدولة العميقة كجهاز عصبي
يفكر الكوز من خلال “الخلايا” وليس المؤسسات. حتى وهم خارج السلطة الرسمية يعتمدون على شبكات معقدة من الولاءات داخل الأجهزة الأمنية والشركات القابضة.
“بالنسبة لهم الحكومة قد تسقط لكن ‘التنظيم’ داخل الدولة لا يجب أن يموت.”
هل العقل الكوزي قابل للتطور؟
المعضلة الأساسية في طريقة تفكير “الكيزان” تكمن في جمود الغايات ومرونة الوسائل. إنهم مستعدون لتغيير وجوههم لغاتهم وتحالفاتهم لكنهم غير مستعدين للتخلي عن فكرة “الوصاية” على الشعب السوداني.
إن فهم هذا العقل يتطلب إدراكاً بأنه عقل “أمني بعباءة سياسية” لا يؤمن بالدولة القومية بقدر إيمانه بـ “دولة التنظيم”. لذا فإن التعامل معهم سياسياً يتطلب أدوات تتجاوز الخطابة لتصل إلى تفكيك “البنية التحتية” التي تغذي هذا النمط من التفكير الشمولي.
حتمية الصدام بين “الوطن المتخيّل” و”التنظيم العابر”
إنَّ جوهر المأزق الذي يفرضه العقل “الكوزي” على مستقبل الدولة السودانية لا يكمن في مجرد رغبته في الحكم بل في استعصائه البنيوي على “التوطن” داخل فكرة الدولة الوطنية الحديثة. فالتفكير الكوزي في أعمق تجلياته يرى السودان مجرد “منصة انطلاق” أو “مختبر أيديولوجي” وليس غاية نهائية في حد ذاته؛ وهذا ما يفسر سهولة تضحيتهم بالنسيج الاجتماعي أو السلام الأهلي في سبيل الحفاظ على “نواة التنظيم” صلبة.
في المحصلة نحن أمام عقلية سياسية تدير الصراع بمنطق “المعادلة الصفرية”؛ حيث لا وجود لمساحات رمادية بين التمكين أو الإقصاء. إن هذا العقل الذي يقتات على الأزمات ويعيد إنتاج نفسه عبر مسامات “الدولة العميقة” وضع السودان أمام استعصاء تاريخي فإما دولة مدنية تقطع مع إرث “الوصاية التنظيمية” أو استمرار لهذا الدوران المنهك في حلقة مفرغة من الاستبداد المغلف بالشعارات.
إن تفكيك “العقل الكوزي” ليس معركة سياسية انتخابية فحسب بل هي عملية “جراحة فكرية” وطنية ضرورية لاستعادة مفهوم الدولة من قبضة “الجماعة”. وبدون هذا التفكيك العميق لمراكز القوى الاقتصادية والأمنية والرمزية لهذا التيار ستظل الدولة السودانية رهينة لعقلية “الاختطاف الممنهج” وسيبقى الانتقال الديمقراطي مجرد استراحة محارب في أجندة تنظيم لا يؤمن بغير نفسه مرجعاً ومصيراً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.