السودان… جمهورية “العناق الأخير” حين تصبح الذاكرة قصيرة… والوقائع تمشي على رأسها

حسن عبد الرضي

في وسائط التواصل الاجتماعي – وخاصة قروبات الواتساب، تلك “البرلمانات الشعبية” التي لا تنام – تتدحرج الحكايات السودانية كما تتدحرج كرة في ملعبٍ مائل… لا تستقر إلا على مفارقةٍ جديدة!
يقولون: السودان بلد عجيب…
وأنا أقول: بل هو بلد “يُدهشك حتى من دهشتك”!
خذ عندك هذه الحكاية التي يتداولها الناس بين ضحكةٍ مرةٍ ودهشةٍ مُرّة:
دخل النور قبة الفاشر… لا زائراً ولا سائحاً، بل “محرِّراً” – على حد الرواية – من جيش الكيزان وحركات الارتزاق.
طيب… ماذا حدث؟
أهل الفاشر – أصحاب الأرض – حملوا ما خفّ من أرواحهم، وتركوا ما ثقل من بيوتهم، ونزحوا إلى الولاية الشمالية… إلى معسكر الدبة.
إلى هنا، القصة تمشي على قدميها…
لكن فجأة… تقرر أن تمشي على رأسها!
بعد فترة، النور قبة ذاته – نعم، بذات السحنة وذات البندقية – يغادر الفاشر… وينزح إلى الشمالية… إلى نفس معسكر الدبة!
يعني باختصار: المحرِّر والمحرَّر… التقوا في خيمة واحدة، لكن دون أن يتفقوا: من الذي حرر من؟!
وهنا يدخل المشهد الكوميدي التراجيدي ذروته:
يُستقبل الرجل بالأحضان!
أحضان؟!
نعم… أحضان، وكأن ما حدث كان “سوء تفاهم عابر” بين رصاصةٍ وصدر!
أما القائد الكبير، فيفتح ذراعيه كأنما يستقبل عائداً من بعثة دراسية، لا قائداً مرّ من هنا وترك خلفه نزوحاً ودموعاً ومقابر مؤجلة.
في قروبات الواتساب، يعلّق أحد الظرفاء:
“يا جماعة… الظاهر الحرب دي فيها خاصية Reset… تضغط زر، كل شيء يرجع جديد!”
ففي هذه البلاد:
العدو يمكن أن يصبح صديقاً…
والصديق يمكن أن يصبح “ملفاً أمنياً”…
والضحية… تظل ضحية، لا تجد من يغيّر لها تصنيفها!
ثم تأتيك “الدائرة الشريرة” التي لو رسمها طالب في حصة الهندسة، لظن المعلم أنه يمزح:
مرةً يُستعان بموسى هلال لضرب الحركات…
ثم يُستعان بحميدتي لضرب الحركات وموسى هلال…
ثم تُستدعى الحركات وموسى هلال والنور قبة لضرب حميدتي…
ثم – في مشهد يصلح لمسلسل بلا نهاية – يتم التمهيد لإعادة نفس الأسماء… مع إضافة “نكهة جديدة” اسمها كيكل!
كأننا أمام “خلاط سياسي”…
تُعاد فيه نفس المكونات…
لكن كل مرة بعصيرٍ مختلف الطعم…
ونفس المرارة!
لكن، وسط هذا السيرك السياسي، هناك تفصيلة صغيرة… صغيرة جداً لدرجة أنها تُنسى بسهولة:
المواطن.
هذا الكائن الذي لا يحمل بندقية، ولا يظهر في نشرات “الانتصارات”، ولا يُستقبل بالأحضان…
هذا الذي يدفع الفاتورة كاملة: دماً… نزوحاً… فقداً… وانتظاراً لا ينتهي.
ومن طرائف المأساة التي يتداولها الناس – وهي ليست طريفة إلا من شدة قسوتها – أن مدنيين تمّت محاكمتهم وإعدامهم بتهمة “التعاون”!
تعاون مع من؟
مع نفس القوة التي تُركوا وحدهم في مواجهتها… حين انسحب الجميع وتركوهم لقدرهم!
تخيّل المشهد:
مواطن بسيط، وجد نفسه بين فوهة بندقية وغياب دولة…
فاختار أن “يعيش يوماً إضافياً”…
فكانت النتيجة: تهمة.
ثم حكم…
ثم نهاية!
بينما “البطل الكبير” – الذي حمل السلاح، وخاض المعارك، وترك خلفه ما ترك – يعود… ويُستقبل… ويُحتفى به!
وفي زاوية أخرى من المسرح، شاب ديسمبري مسالم – كل سلاحه “هتاف” – يُحاكم بتهمة الإرهاب!
يا للعدالة… حين ترتدي نظارة مقلوبة!
في الواتساب، يكتب أحدهم:
“البلد دي لو دخلت فيها الحقيقة… بتطلع منها كذبة… ولو دخلت فيها الكذبة… بتطلع منها حقيقة مشوّهة!”
هل عرفتم الآن… الحرب ضد من؟
أم ما زال البعض يفتش عن “العدو” في الاتجاه الخطأ؟
وكما قال الشاعر محمود درويش:
“ستنتهي الحرب ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل.
لا أعلم من باع الوطن، ولكنني رأيت من دفع الثمن.”
.
وفي السودان… لا أحد يختلف على المصافحة…
لكن الجميع يختلفون على: من الذي سيدفع الثمن هذه المرة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.