في تطور سياسي لافت، جاءت زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية في توقيت شديد الحساسية إقليميًا ودوليًا، بعد سلسلة تحولات وضغوط أعادت ترتيب المشهد المتعلق بالملف السوداني.
وبحسب معطيات متقاطعة، فإن الرياض كانت قد أوقفت صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار دعم كانت قيد الترتيب مع قيادة الجيش السوداني، عقب تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كتنظيم إرهابي.
في وقتٍ كانت فيه تقارير دولية متعددة تشير إلى أن الجماعة باتت تمارس نفوذًا واسعًا داخل مفاصل القرار العسكري، الأمر الذي جعل أي دعم مباشر للجيش محل تدقيق دولي شديد.
تزامن ذلك مع تحرك واضح من الإدارة في الولايات المتحدة لفرض عقوبات على كل جهة يثبت دعمها العسكري أو اللوجستي للجيش السوداني، ضمن سياسة أوسع تستهدف تجفيف مصادر الإمداد في الحرب الدائرة.
هذه الضغوط وضعت حلفاء تقليديين للخرطوم في موقف حرج، خاصة في ظل مراقبة دولية دقيقة لمسارات التمويل والتسليح.
وفي السياق الإقليمي، جاءت الزيارة أيضًا في ظل تطورات متسارعة في ملف المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وإيران، حيث وافقت طهران – ضمن شروط تفاوضية مطروحة – على الالتزام بعدم دعم أي مليشيات أو أطراف مسلحة في عدد من بؤر الصراع بالمنطقة، من بينها لبنان وغزة واليمن والسودان.
هذا التحول ألقى بظلاله على شبكة العلاقات التي كانت تُستخدم لتمرير الدعم العسكري بطرق غير مباشرة.
ضمن هذا المشهد المعقد، تبدو زيارة البرهان إلى الرياض محاولة لإعادة فتح قنوات الدعم السياسي والاقتصادي، في ظل تراجع الخيارات المتاحة أمام قيادة الجيش بعد تضييق المسارات الإقليمية والدولية، ومع بحث واضح عن مظلة جديدة تُمكّنه من تجاوز الضغوط المتصاعدة.
ولم يأتِ هذا التحول من فراغ، إذ تزامن مع إعلان السلطات الأمريكية القبض في مطار لوس أنجلوس على الإيرانية شميم مافي، بتهمة التوسط في صفقات لبيع أسلحة إيرانية إلى السودان، شملت طائرات مسيّرة من طراز مهاجر-6 وكميات ضخمة من الذخائر وصواعق القنابل تتجاوز قيمتها 70 مليون دولار.
ووفق الادعاء الفيدرالي، فإن القضية كشفت عن شبكة إمداد عسكري عابر للحدود، تضمنت توريد نحو 55 ألف صاعق قنابل، وهو ما اعتبرته واشنطن دليلًا إضافيًا على مسارات تسليح غير مباشرة تصل إلى السودان.
وفي سياق متصل، كان تقرير صادر في أكتوبر 2024 قد أشار إلى وجود جسر جوي إيراني لإمداد السودان بطائرات مسيّرة وعتاد عسكري، مع توثيق رحلات شحن بين ديسمبر 2023 ويوليو 2024، إضافة إلى صور أقمار صناعية أظهرت وجود طائرات “مهاجر-6” وأنظمة التحكم الأرضي داخل قاعدة وادي سيدنا شمال الخرطوم، واستخدامها في عمليات عسكرية بمحيط أم درمان ومناطق استراتيجية بالعاصمة.
هذه التطورات مجتمعة تُفسر جانبًا مهمًا من الضغوط الدولية التي سبقت زيارة البرهان إلى الرياض، وتوضح لماذا أصبح أي دعم خارجي للجيش السوداني محاطًا بحسابات معقدة، في ظل بيئة دولية شديدة الحساسية تجاه مسارات التسليح والعلاقات الإقليمية المتشابكة.
الزيارة، بهذا المعنى، لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذه الخلفيات، بل تأتي كجزء من إعادة تموضع فرضتها معادلات جديدة تتشكل حول السودان والحرب الدائرة فيه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.