في قلب الحرب الأهلية التي تمزّق السودان منذ عام 2023، يبرز مسار أقل وضوحًا يتجاوز خطوط المواجهة العسكرية: عودة تدريجية لشبكات الإسلام السياسي «جماعة الإخوان المسلمين» داخل مؤسسات الدولة، بالتوازي مع تنامي الانخراط العسكري الإيراني. يشير تحليل نشرته مجلة Horn Review إلى أن هذا التطور لا يُعد مجرد تقارب مؤقت فرضته ظروف الحرب، بل هو نتيجة لبنية مؤسسية تراكمت على مدى عقود داخل أجهزة الدولة السودانية، لا سيما خلال فترة حكم الإسلاميين بين عامي 1989 و2019. هذا التداخل بين البنية الداخلية والدعم الخارجي يعيد تشكيل خريطة الحرب في السودان، ويثير تساؤلات أوسع حول مستقبل وأمن البحر الأحمر الاستراتيجي.
آلان بوسويل، مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية: عندما تدخل الدولة في حالة حرب وانهيار مؤسسي، غالبًا ما تعود الشبكات القديمة داخل الأجهزة الأمنية لتفرض نفسها، وتلعب دورًا حاسمًا في إعادة تنظيم السلطة والموارد.»
إرث لم يتم تفكيكه
عندما سقط نظام الإسلاميين في السودان عام 2019، اعتُبر ذلك نهاية حقبة سياسية استمرت ثلاثة عقود. غير أن انهيار السلطة السياسية لم يعنِ بالضرورة تفكيك الشبكات التي كانت تسندها. خلال سنوات حكمها الطويلة، نجحت الحركة الإسلامية السودانية، المرتبطة تاريخيًا بجماعة الإخوان المسلمين، في ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات حساسة، بما في ذلك القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات. وبحسب التحليل، لم تختفِ هذه الشبكات بعد 2019، بل ظلت متجذّرة داخل بنية الدولة. ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بدأت هذه الشبكات في الظهور مجددًا مع تغيّر البيئة السياسية والأمنية.
وفي هذا السياق، يقول آلان بوسويل، مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية: عندما تدخل الدولة في حالة حرب وانهيار مؤسسي، غالبًا ما تعود الشبكات القديمة داخل الأجهزة الأمنية لتفرض نفسها، وتلعب دورًا حاسمًا في إعادة تنظيم السلطة والموارد.»
الحرب تعيد فتح القنوات مع إيران
مع تصاعد القتال واستنزاف المخزونات العسكرية، واجهت السلطات في الخرطوم تحديًا أساسيًا يتمثل في تأمين إمدادات عسكرية مستمرة. في هذا الإطار، عاد التقارب مع إيران إلى الواجهة، وساهمت في تسهيله جزئيًا شبكات الإسلاميين. تاريخيًا، طوّر السودان وطهران شراكة وثيقة عقب انقلاب 1989 المدعوم من الإسلاميين، حيث سمح السودان لإيران باستخدام ممرات لوجستية عبر البحر الأحمر مقابل دعم عسكري واقتصادي. غير أن هذه العلاقة انتهت رسميًا عام 2016، عندما قطع السودان علاقاته مع إيران وأغلق مراكزها الثقافية في الخرطوم، في محاولة لتحسين علاقاته مع دول الخليج والخروج من العزلة الدولية. إلا أن الحرب أعادت تشكيل هذه الحسابات. وبحسب التحليل، أعاد الجيش السوداني تفعيل قنوات التعاون مع إيران بعد 2023، خاصة مع تفاقم نقص الذخائر والمعدات.
الطائرات المسيّرة الإيرانية تدخل ساحة المعركة
أبرز مؤشر على هذا التعاون تمثّل في استخدام الطائرات المسيّرة الإيرانية في النزاع. إذ أشارت تقارير صادرة عن فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان إلى استخدام أنظمة مثل «مهاجر-6» و«أبابيل-3». ويُرجّح أن هذه الأنظمة وصلت عبر ميناء بورتسودان، مصحوبة بدعم فني وتدريب تشغيلي. وبحسب المجلة المتخصصة في شؤون القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ساهمت هذه المسيّرات في تعزيز قدرة القوات المتحالفة على إدارة العمليات القتالية داخل المدن، خاصة في بيئة الحرب الحضرية المعقّدة التي تميّز الصراع في السودان.
لا يقتصر القلق لدى بعض المراقبين على التعاون العسكري، بل يمتد إلى الخلفية الأيديولوجية التي قد تدعمه. فوفقًا للتقرير، ينظر بعض الفاعلين الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية السودانية إلى العلاقة مع إيران من منظور يتجاوز المصالح العسكرية البحتة
لماذا يهم السودان طهران؟
بالنسبة لإيران، لا يقتصر الأمر على دعم طرف في حرب أهلية، بل يرتبط بموقع السودان المحوري على امتداد البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يربط الشرق الأوسط بشرق إفريقيا وقناة السويس. يرى محللون أن طهران تسعى إلى بناء شبكة نفوذ مرنة على طول هذا الممر، تعتمد على نقاط لوجستية محدودة بدلًا من قواعد عسكرية دائمة. وفي هذا السياق، يوضح مهند الحاج علي، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: تسعى طهران إلى إنشاء نقاط دعم لوجستي صغيرة تتيح لها توسيع نفوذها عبر الممرات البحرية الحساسة. ويمثل السودان بيئة مثالية لذلك: ساحل طويل على البحر الأحمر، مؤسسات دولة ضعيفة، وحرب داخلية تفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
البعد الأيديولوجي
لا يقتصر القلق لدى بعض المراقبين على التعاون العسكري، بل يمتد إلى الخلفية الأيديولوجية التي قد تدعمه. فوفقًا للتقرير، ينظر بعض الفاعلين الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية السودانية إلى العلاقة مع إيران من منظور يتجاوز المصالح العسكرية البحتة. وقد ظهرت مؤشرات على ذلك مؤخرًا، مع تداول تصريحات لقادة كتائب إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش، عبّروا فيها عن تضامنهم مع طهران خلال هجماتها ضد دول خليجية. ورغم تأكيد السلطات في بورتسودان أن هذه التصريحات لا تمثل الموقف الرسمي، فإنها تعكس استمرار الخطاب الأيديولوجي داخل أجزاء من المؤسسة العسكرية.
ووفقًا لتقرير منصة SPT، تعكس السياسة الخارجية التي تُدار حاليًا من بورتسودان واقع دولة تعمل تحت ضغط حرب أهلية وانهيار مؤسسي..
خطر تدويل الحرب
مع اتساع نطاق التدخلات الخارجية، خصوصًا من جانب إيران، يخشى محللون من تحوّل الحرب في السودان تدريجيًا إلى ساحة تنافس إقليمي. فوجود دعم عسكري خارجي، إلى جانب شبكات سياسية متجذّرة، قد يجعل من الصعب إنهاء النزاع عبر تسوية داخلية خالصة. ويشير التحليل إلى أن هذه الديناميات قد تدفع نحو «إقلمة» الصراع، بحيث يصبح السودان نقطة ارتكاز في صراع أوسع على البحر الأحمر.
دولة عالقة بين الحرب والتحالفات
ووفقًا لتقرير منصة SPT، تعكس السياسة الخارجية التي تُدار حاليًا من بورتسودان واقع دولة تعمل تحت ضغط حرب أهلية وانهيار مؤسسي. فالإمدادات العسكرية الخارجية، إلى جانب استمرار نفوذ الشبكات القديمة داخل مؤسسات الدولة، تدفع بورتسودان نحو وضع استراتيجي عالي المخاطر. ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع السودان كسر هذه الحلقة قبل أن يتحول إلى موطئ قدم دائم في صراعات إقليمية أوسع؟ حتى الآن، لا تلوح في الأفق نهاية قريبة للحرب، كما لا تبدو التحالفات التي أعادت تشكيلها مرشحة للزوال في أي وقت قريب، خاصة مع استمرار حضور وتأثير الشبكات الإسلامية داخل الدولة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.