في سياق التحولات السياسية العميقة التي شهدها السودان منذ عام 2019، يبرز دور الفاعلين الإقليميين كعامل حاسم في تفسير مسارات الانتقال والانهيار. يقدّم هذا النص قراءة تحليلية تركز على ما يعتبره الدور البنيوي لمصر في تشكيل هذه التطورات، بدءًا من تقويض الانتقال المدني وصولًا إلى الإسهام في اندلاع الحرب وإطالة أمدها.
تشير الأدلة المتاحة وغير المعلنة إلى أن النظام المصري لعب دورًا بنيويًا حاسمًا في تقويض الانتقال الديمقراطي المدني في السودان، وفي انقلاب 25 أكتوبر 2021، وكذلك في إشعال حرب 15 أبريل 2023 وإطالة مسارها. فبعد أيام قليلة من نجاح الانتفاضة الشعبية التي أطاحت برأس النظام الإسلامي في أبريل 2019، فرّ مدير جهاز المخابرات صلاح قوش إلى القاهرة في عملية لم يكن يمكن أن تتم دون تدخل مباشر من السلطات المصرية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت مصر ملاذًا آمنًا لقيادات إسلامية سودانية، فضلًا عن كونها مركزًا لوجستيًا لعملياتهم النفسية والإعلامية والتآمرية الرامية إلى تقويض الانتقال المدني في السودان.
وبالتوازي، سعى النظام المصري إلى ترسيخ هيمنة المكوّن العسكري، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على القوى المدنية. ويتسق ذلك مع سياسة مصر طويلة الأمد التي تفضّل الحكم العسكري في السودان، انطلاقًا من اعتبار أن الجيش، بحكم تكوينه وتدريبه وعلاقاته الاقتصادية، يشكّل الأداة الأساسية لحماية المصالح المصرية في السودان. وكان لافتًا أن البرهان، في أول زيارة خارجية له، توجّه إلى مصر وأدّى التحية العسكرية لرئيسها عبد الفتاح السيسي.
وبحسب التقرير، تتحرك السياسة المصرية برغبة في إخضاع السودان بطرق تعيق تطوره الزراعي والصناعي، بما يحد من استخدامه لنصيبه من مياه النيل، وتحويله إلى مصدر للمواد الخام وسوق للمنتجات الصناعية المصرية، وأداة ضمن سياسة مصر للضغط على دول حوض النيل، خصوصًا إثيوبيا. وعلى هذا الأساس، يرى التقرير أن النظام المصري، منذ استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة في مصر، ظل مرتبطًا بالانقلابات العسكرية في السودان، إما عبر تدخل مباشر في تدبيرها أو عبر تهيئة الظروف المناسبة لوقوعها.
وقد علّق أحد المحللين السودانيين، حين انعقدت اجتماعات البنك الدولي في السودان خلال الفترة الانتقالية، وألقى رئيس مجموعة البنك الدولي ديفيد مالباس كلمته السنوية من الخرطوم في 30 سبتمبر 2021، بأن ذلك يشير إلى اقتراب وقوع انقلاب مدعوم من مصر في السودان، مؤكدًا أن النظام المصري لا يمكن أن يتسامح مع انطلاقة تنموية في السودان. وقد تحقق ذلك بالفعل بعد نحو ثلاثة أسابيع، عندما أطاحت المؤسسة العسكرية بالحكومة الانتقالية المدنية بقيادة عبد الله حمدوك في 25 أكتوبر 2021.
وتشير الأدلة إلى أن خطة تقويض الانتقال المدني استخدمت نفس “الوصفة” التي اتبعها السيسي في صعوده إلى السلطة، عبر إنشاء منصات إعلامية وعمليات عبر وسائل التواصل الاجتماعي معادية للانتقال المدني في القاهرة، إلى جانب نمط من الانفلات الأمني المُهندس تقوده الأجهزة الأمنية السودانية في العاصمة، مع إشعال نزاعات قبلية في الأقاليم، بهدف تغليب الهاجس الأمني على المطالب الديمقراطية، فضلًا عن افتعال أزمات الوقود والخبز.
وعاد أحد رموز النظام السابق، طاهر إيلا، من القاهرة إلى شرق السودان على متن طائرة حكومية مصرية للتحريض ضد الحكومة الانتقالية وحشد المعارضة لها، في تطورات انتهت بإغلاق ميناء بورتسودان كخطوة تمهيدية أساسية للانقلاب.
كما تم تشكيل ما سُمّي بـ«الكتلة الديمقراطية» بحضور علني لمسؤول في المخابرات المصرية، أحمد عدلي، في السودان، بهدف تفتيت القوى المؤيدة للانتقال واستقطاب جزء منها كقاعدة للانقلاب. ونظّمت هذه الكتلة ما عُرف بـ«اعتصام الموز»، حيث حاصرت مقر الحكومة المدنية بالتنسيق مع الأجهزة العسكرية والأمنية ودعت علنًا إلى انقلاب، وهو ما تحقق بعد أيام في 25 أكتوبر 2021.
لكن مع تصاعد الاحتجاجات ضد الانقلاب، رغم مقتل أكثر من 120 شابًا، ومع تضامن دولي واسع مع الشعب السوداني وانسحاب قيادة قوات الدعم السريع من الانقلاب، بدأت مفاوضات بين القوى المدنية والمكوّن العسكري، توّجت باتفاق إطاري لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي المدني.
غير أن النظام المصري تدخّل بثقله، بالتنسيق مع قطر والإسلاميين السودانيين، لإفشال الاتفاق الإطاري. وصرّح أحد قادة «الكتلة الديمقراطية» علنًا بأن مصر لن تسمح بقيام أي سلطة في السودان لا توافق عليها. وفي اجتماع رسمي بين القوى المدنية ووفد مخابرات مصري زائر في الخرطوم، قيل إن أحمد عدلي أعلن أن الاتفاق الإطاري «لن يمر إلا على جثته».
وأمام معضلة انسحاب قوات الدعم السريع من انقلاب 25 أكتوبر، شجّع النظام المصري البرهان عبر نشر وحدات من سلاح الجو المصري في قاعدة مروي، والترويج لفكرة إمكانية القضاء على الدعم السريع خلال ساعات، ما أدى إلى قرار بإشعال الحرب في 15 أبريل 2023.
ومنذ اندلاع الحرب، لعب النظام المصري دور خط الإمداد اللوجستي الرئيسي للجيش السوداني، وشارك في العمليات العسكرية عبر خبراء ومستشارين، بل وانخرط في قصف مباشر، بما في ذلك استهداف مدنيين، انطلاقًا من قاعدة العوينات الغربية.
وتظهر أدلة أخرى على الأجندة المصرية الضيقة المعادية لتنمية السودان في الاستهداف الجوي للمنطقة الصناعية في بحري دون مبرر عسكري، ما أدى إلى تدمير القاعدة الصناعية الهشة أصلًا في السودان. كما عملت مصر كراعٍ دبلوماسي لسلطة الجيش في بورتسودان، وسعت إلى رفع عزلتها داخل الاتحاد الإفريقي بعد تعليق عضويتها عقب الانقلاب، وعملت على إضفاء شرعية دولية عليها عبر خطاب «الحفاظ على مؤسسات الدولة».
ورغم إعلان النظام المصري دعمه للمبادرة الرباعية للسلام في السودان، تشير التقارير إلى أنه كان يحث قيادة الجيش سرًا على رفضها، سعيًا وراء مصالحه الضيقة. وفي الوقت الذي تُسفك فيه دماء السودانيين، تتدفق الموارد السودانية نحو مصر، بما في ذلك الذهب والمنتجات الزراعية، بأسعار منخفضة، ما يعكس استفادة مباشرة من ظروف الحرب.
ولا يترك ذلك مجالًا كبيرًا للشك، وفق التقرير، في أن النظام المصري يحقق أرباحًا من معاناة الشعب السوداني، حتى بلغ هذا الاستغلال مستويات لا إنسانية، حيث تُباع تأشيرات الدخول، حتى للمرضى، بآلاف الدولارات.
وفي حين قد تخدم الحرب في السودان مصالح النظام المصري، فإنها تشكّل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، مع تصاعد نفوذ المليشيات وتزايد المخاطر على أمن البحر الأحمر، إلى جانب توسع شبكات الجريمة والهجرة غير النظامية.
ويخلص التقرير إلى أن تحقيق السلام في السودان يتطلب كبح التدخلات الإقليمية، وعلى رأسها الدور المصري، داعيًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى ممارسة ضغوط محددة على القاهرة لوقف دعمها العسكري والسياسي.
المصدر : Sudan Peace Tracker
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.