السودان- حين تصبح الدولة “كشك إدارة” بين أمراء الميليشيات

زهير عثمان حمد

في السودان اليوم، لم يعد السؤال الجوهري: من يحكم البلاد؟
بل أصبح من يُرضي من؟ ومن يتفوق على من داخل طاولة سلطة أشبه بـ”سوق سياسي مفتوح”، تُباع فيه المناصب وتُشترى بالولاء والتهديد والنفوذ الميداني
ما يُتداول حول رفض وزير المالية جبريل إبراهيم منصب “مستشار” وإصراره على “نائب رئيس الوزراء” ليس مجرد واقعة فردية، بل هو عرض لحالة مرضية مزمنة تفكك الدولة لصالح فواعل مسلحة وقبلية وجهوية، صارت تتعامل مع المؤسسات كغنائم، ومع المواطن كرهينة
عندما تصبح المناصب “فكة صرف”
في أي دولة طبيعية، تُبنى الهياكل التنفيذية على أسس الكفاءة والاستحقاق

أما في سودان ما بعد الانقلابات والحروب، فأصبحت إعادة توزيع المناصب الحكومية أقرب إلى محاولة إرضاء “عصابات نفوذ”

هذا يريد وزارة، وذاك يرفض منصب مستشار، وآخر يهدد بالانسحاب إن لم يُمنح موقع بعينه
وما يجري اليوم مع جبريل إبراهيم ليس سوى حلقة جديدة من مسلسل “تفاوض السلطة”، الذي لم يعد يخفي أن من يحكمه هو منطق القوة والتوازنات العسكرية-الاقتصادية، لا منطق الدولة أو الدستور
العزلة الدولية كـ”تفصيلة ثانوية”
الأكثر إثارة للقلق أن أسماءً لاحقتها العقوبات الأمريكية أو الدولية، تُستدعى فجأة إلى قلب المعادلة السياسية، وكأن تهم الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان أو تعطيل مسار السلام مجرد تفاصيل جانبية في لعبة توزيع السلطة
هذه “السودنة” الجديدة للسياسة تعني شيئاً واضحاً -العالم يبتعد أكثر، بينما يدفع المواطن الثمن مباشرة—من انهيار العملة، إلى تدهور الخدمات، إلى انسداد الأفق بالكامل
سؤال الحقيقة من ينوب عن السودان الوطن نفسه ؟
إذا كان جبريل إبراهيم مصمماً على أن يكون “نائب رئيس الوزراء”، فالسؤال الأهم هو- أي رئيس وزراء؟ وأي حكومة؟
هل هي حكومة تخدم السودانيين، أم حكومة تُعيد ترتيب توازناتها الداخلية بين قوى متنازعة؟
وهل المنصب الجديد سيُخرج السودان من عنق الزجاجة الدولية، أم أنه مجرد كرسي إضافي في حافلة تقترب من الانحدار؟
دولة مغلقة للصيانة الدائمة

السودان اليوم ليس دولة تعيش أزمة عابرة، بل نموذج لانحلال مؤسسي مقنّع؛
حيث أصبح “العبث” هو النظام، و”الارتجال” هو القاعدة، و”تفاهمات الغرف المغلقة” هي التي ترسم خريطة الحكم
والمفارقة أن كل طرف لا يزال يتحدث باسم “الوطن”، بينما الوطن نفسه صار الكيان الوحيد الذي لا يملك حق الاعتراض

في النهاية، ربما لا يحتاج السودان إلى نائب رئيس وزراء جديد، بل إلى إعادة تعريف كاملة لمفهوم السلطة
قبل أن تُعلّق على بوابات الدولة لافتة واحدة مختصرة تقول “مغلق لأعمال الصيانة السياسية… الدائمة”.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.