نفوذ “الإخوان” في الجيش السوداني: بين الهيمنة العقائدية و”المحاصصة” العسكرية

محمد سبتي

يشهد السودان في عام 2026 تحولات جذرية في بنيته العسكرية، حيث لم تعد الحرب الدائرة مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى عملية “إعادة صياغة” كاملة للمؤسسة العسكرية. وتبرز في قلب هذا التحول قضية التغلغل العميق للتيار الإسلامي “جماعة الإخوان المسلمين” داخل مفاصل الجيش، وهو ما حذر منه دبلوماسيون وخبراء باعتباره “معضلة استراتيجية” تعيق أيّ أمل في التسوية السياسية.

التغلغل العددي والسيطرة على القرار

كشف السفير الأمريكي السابق لدى الخرطوم، ألبرتو فيرنانديز، عن أرقام صادمة تشير إلى أنّ نحو 30% من الضباط الجدد في الجيش السوداني ينتمون صراحة إلى تيار الإخوان المسلمين.

ألبرتو فيرنانديز: أرقام صادمة تشير إلى أنّ نحو 30% من الضباط الجدد في الجيش السوداني ينتمون صراحة إلى تيار الإخوان المسلمين.

ويرى فيرنانديز في تحليل نشره موقع (ريل كلير وورلد) بمناسبة مؤتمر برلين، أنّ هذا النفوذ يمثل العائق الأكبر أمام أيّ هدنة إنسانية؛ إذ يميل هذا الجناح العقائدي إلى خيار “الحسم العسكري” ويرفض أيّ وقف لإطلاق النار يراه تهديداً لمكاسبه.

ولا تقتصر السيطرة على الرتب الجديدة، بل تمتد لتشمل مراكز القرار العليا. ويشير المحلل السياسي النجمي عثمان في تصريح لـ (العين الإخبارية) إلى أنّ القيادات العليا، من رتبة ملازم وصولاً إلى رتبة فريق، باتت تدين بالولاء للحركة الإسلامية بنسبة تقارب الـ100 %، وذلك نتيجة لعمليات “تصفية” ممنهجة استمرت على مدار 35 عاماً، تم خلالها إحالة الضباط غير الموالين للتقاعد تحت مسمّى “النظام العام”.

المحاصصة والميليشيات: “أجنحة تحت النار”

أفرزت الحرب واقعاً جديداً من “المحاصصة” العسكرية، حيث يجد الجيش نفسه مضطراً للاعتماد على أذرع مسلحة تابعة للإخوان، أبرزها “كتيبة البراء بن مالك”. وبحسب الخبير “سيبويه يوسف”، فإنّ هذه المجموعات باتت تشكل “جيوشاً موازية” تمتلك تقنيات متطورة مثل الطيران المسيّر والمدفعية، ممّا أدى إلى تآكل البنية المؤسسية للدولة.

محللون: استمرار الحرب يخدم أجندات اقتصادية وعمليات نهب، ويمنع العودة إلى الحكم المدني الذي يعني بالضرورة نهاية نفوذ الإخوان.

وتتوزع القوى الميدانية المساندة للجيش بين عدة تيارات، منها كتائب “البراء بن مالك” والميليشيات الإسلامية، وحركات “المرتزقة” المتحالفة، وتيارات منشقة مثل “درع السودان”.

هذا التعدد يزرع بذور صراع مستقبلي بين “أمراء حرب” جدد، ويرى المحللون في تصريح لموقع (الراكوبة) أنّ استمرار الحرب يخدم أجندات اقتصادية وعمليات نهب، ويمنع العودة إلى الحكم المدني الذي يعني بالضرورة نهاية نفوذ الإخوان وهيكلة الجيش.

الانقسامات الداخلية ومعضلة “الجنائية الدولية”

رغم التماسك الظاهري بدأت الانقسامات تضرب قمة الهرم الإخواني. فقد كشفت تقارير نقلتها صحيفة (إدراك) من بورتسودان عن خلاف حاد بين القياديين علي كرتي وأحمد هارون. ويعود الصراع إلى “مرونة” أبداها كرتي تجاه إمكانية تسليم مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، بمن فيهم عمر البشير وهارون نفسه، كجزء من مقايضة سياسية، وهذا التوجه وصفه هارون بـ “الخيانة”، معتبراً نفسه “كبش فداء” لتأمين مخرج لبقية التنظيم.

خلاف حاد بين القياديين علي كرتي وأحمد هارون، ويعود الصراع إلى “مرونة” أبداها الأول تجاه إمكانية تسليم مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.

هذه التوترات لم تعد حبيسة الغرف المغلقة، بل انعكست ميدانياً من خلال حملة اعتقالات طالت عناصر من “كتيبة البراء”، ممّا ينذر بصدام وشيك بين أجنحة النظام البائد.

ويواجه السودان اليوم خطر التحول من “دولة تملك جيشاً” إلى “جيش تملكه حركة عقائدية”. ومع تصنيف واشنطن للإخوان “منظمة إرهابية” في آذار (مارس) 2026، يجد الجيش السوداني نفسه في “مقامرة معقدة”؛ فالحاجة للمقاتلين الإسلاميين ميدانياً تتصادم مع الضغوط الدولية والعقوبات، وهو ما يجعل المسار نحو السلام محفوفاً بالألغام الإيديولوجية والصراعات الداخلية التي قد تنفجر في أيّ لحظة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.