حين تنحدر السياسة إلى “رندوك” السوقة والدهماء: البرهان وخطاب الأزقة والحواري والمواخير
الصادق حمدين
تصريحات البرهان في خطابه الأخير، ووصفه لقوات الدعم السريع بالجنجويد، والملاقيط، والرباطة، ورفضه القاطع والحاسم للسلام، ومواصلة الحرب إلى آخر “جنجويدي”.
هذه كلها كلمات “ردحي” “وفرش ملاية” لا تقال من فوق منابر السياسة، بل في المواخير، وازقة الحواري، وبيوت العهر والرذيلة.
ولمن لا يعرفون كلمة “ملاقيط” رغم أصلها الفصيح في اللغة، ان هذه الكلمة تم تحريفها وأصبحت كلمة عامية سودانية ذات حمولة دلالية قاسية لمن تقال بحقه، ولتقريب المعنى جذرها لقيط، وهو ابن الزنا الذي تلقي به أمه على قارعة الطريق خوف العار واتقاءالفضيحة.
في خضم الأزمات الوطنية الكبرى، يُفترض أن ترتقي اللغة السياسية إلى مستوى المسؤولية التاريخية، لا أن تنحدر إلى قاموس الشتائم والتوصيفات التي تُفكك ما تبقى من النسيج الاجتماعي.
لكن ما صدر مؤخراً عن عبد الفتاح البرهان تجاه قوات الدعم السريع يطرح سؤالاً عميقاً حول طبيعة الخطاب الذي يُدار به صراع بهذه الحساسية.
إن استخدام أوصاف مثل “الجنجويد” و”الملاقيط” و”الرباطة” لا يمكن عزله عن سياقه السياسي والاجتماعي، ولا يمكن تبريره باعتباره مجرد انفعال عابر.
هذه مفردات مشحونة بدلالات إقصائية وقاسية، تتجاوز النقد السياسي إلى مستوى التشهير الجماعي، بل وتلامس مناطق خطرة تتعلق بالتحريض وشيطنة الآخر.
اللغة هنا لا تُستخدم كأداة توصيف، بل كسلاح تعبئة، وهو ما يفتح الباب أمام منزلقات لا تُحمد عقباها.
الأخطر من ذلك أن توصيفات من هذا النوع، حين تصدر من رأس مؤسسة سيادية برسم الأمر الواقع، تُضفي شرعية ضمنية على خطاب الكراهية والعنصرية والانقسام المجتمعي السائد، وتُسهم في تطبيع العنف الرمزي الذي قد يتحول سريعاً إلى عنف مادي.
فالدولة، في نهاية المطاف، ليست مجرد سلطة تنفيذية، بل هي أيضاً منتِج للمعنى العام، وما تقوله قيادتها يحدد سقف المقبول والمرفوض في المجال العام.
ثم إن المفارقة الصارخة تكمن في تاريخ العلاقة بين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو.
فالتصريحات السابقة التي أقرّ فيها البرهان بتنسيقه الوثيق مع حميدتي خلال مرحلة مفصلية من تاريخ السودان، بل واشتراطه دعمه للمضي قدماً في ترتيبات السلطة الانتقالية، تكشف عن براغماتية سياسية يصعب التوفيق بينها وبين الخطاب الحالي المشحون بالعداء المطلق.
ومن النذالة بمكان أن ترافق أو تصادق أو تصاحب شخصاً جمعتك معه مصلحة ما، ثم تعود على عقبيك، وترميه بما ليس فيه، فهذا يجافي مبدأ الأصالة والرجولة والشهامة، لأن المرء ينسب إلى قرينه، أو كما قال الشاعر : عن المرء لا تسأل… سل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يُقتدى.
فالشعب السوداني الذي تتكلم باسمه رغم إرادته لا يريد ان يحكمه لقيطاً أو رباط قاطع طريق أو جنجويدي قاتل، أليست هذه هي الصفات التي نعت بها من كان يوماً ملاذك وآمنته على مستقبلك ومستقبل البلاد إن كان يهمك؟…
هذا التناقض لا يُضعف فقط مصداقية الخطاب، بل يطرح تساؤلات حول المعايير التي تُبنى عليها المواقف السياسية: هل نحن أمام مراجعة حقيقية للمواقف، أم مجرد إعادة تموضع تفرضها موازين القوة؟
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يُدفع الخطاب نحو هذا المستوى من الانحدار اللفظي بدلاً من الالتزام بلغة نقدية مسؤولة؟
إن الأزمة في السودان ليست مجرد صراع بين أطراف مسلحة، بل هي اختبار لقدرة النخب السياسية على إدارة الخلاف ضمن أطر تحافظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني.
واللغة، في هذا السياق، ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي جزء من معركة الوعي والشرعية.
من هنا، فإن المطلوب ليس فقط التراجع عن هذه التصريحات، بل إعادة الاعتبار لفكرة أن الخطاب السياسي يجب أن يكون أداة بناء لا هدم، وأن الاختلاف حتى في أشد صوره لا يبرر السقوط في مستنقع الإهانات التي تُغذي الانقسام وتُطيل أمد الصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.