في مسيرة حافلة بالتقلبات والتناقضات، يواصل صلاح محمد عبدالله المعروف بـ”صلاح قوش”، المدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني، حضوره الثقيل في المشهد السوداني المضطرب، متنقلاً بين أدوار الظل بعيداً عن الأضواء، غير أن الكشف عن خلية في الإمارات العربية المتحدة متهمة بتهريب الأسلحة إلى سلطة بورتسودان، وتورط اسمه فيها، يُعيد رسم ملامح رجل لم يتوقف عن اللعب بأوراق النار في بلاد تحترق.
وُلد قوش في أبريل 1957 في بلدة البلل قرب مدينة كريمة شمال السودان، قبل أن تنتقل أسرته إلى بورتسودان حيث تلقى تعليمه الأساسي والثانوي. وفي مرحلة الشباب الباكر، وجد طريقه إلى الفرع الطلابي لجماعة الإخوان المسلمين تحت قيادة حسن الترابي، ليُرسي بذلك ارتباطاً أيديولوجياً لم ينفصم حتى اليوم. تخصص في الهندسة المدنية بجامعة الخرطوم عام 1976، وتولى الأمانة السياسية للتنظيم في تلك المرحلة، ثم انخرط بعد تخرجه في “مكتب الأمن” التابع للجبهة الإسلامية القومية.
مع انقلاب عمر البشير عام 1989، فُتحت أمام قوش أبواب الدولة العميقة على مصاريعها، إذ التحق بجهاز الأمن السوداني عام 1990، وتدرّج في مناصبه حتى بلغ رئاسة إدارة العمليات الخاصة، ثم انتقل عام 1995 مديراً لمجمع “اليرموك الصناعي” للأسلحة. وفي عام 2004، بلغ ذروة نفوذه حين أصبح مديراً لجهاز الأمن والمخابرات بعد دمج الجهازين. وفي تلك الحقبة، ربطته صلات وثيقة بأسامة بن لادن خلال إقامته في الخرطوم بين عامَي 1990 و1996، إذ وصفه جون برنبيرغ، المستشار السابق في البيت الأبيض إبان عهد الرئيس بيل كلينتون، بأنه “المرافق اللصيق لبن لادن، والذي ساعده على إنشاء مشاريعه التجارية والمالية”.
ولم تكن سنوات قوش في سدة الأمن بعيدة عن الدماء؛ فقد أُدرج اسمه عام 2005 ضمن لائحة رُفعت إلى مجلس الأمن الدولي تضمنت 17 شخصاً متهماً بارتكاب جرائم حرب في دارفور. كما طالته اتهامات بالمسؤولية عن حملات اعتقال تعسفية وتعذيب ممنهج وانتهاك حق المحتجزين في محاكمة عادلة، فضلاً عن ارتباط اسمه بما عُرف بـ”بيوت الأشباح”، تلك السجون السرية التي احتضنت آلاف المعارضين السياسيين في ظروف موثقة دولياً.
تعرّض قوش لنكستين كبيرتين؛ الأولى عام 2009 بإقالته من منصبه وتعيينه مستشاراً للبشير، ثم إقالة ثانية عام 2011. وجاءت المفارقة الأبرز عام 2012 حين اعتقله الجهاز الذي كان يرأسه بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية، قضى على إثرها نحو ثمانية أشهر خلف القضبان قبل أن يُفرج عنه بعفو رئاسي في يوليو 2013 بعد وساطات قيادات بارزة في حزب المؤتمر الوطني.
ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، عاد اسم قوش إلى الواجهة بقوة. ففي ديسمبر من العام ذاته، فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه بسبب دوره في تقويض السلام والأمن والاستقرار في السودان، تبعها الاتحاد الأوروبي بعقوبات مماثلة في سبتمبر 2024، جدّدها مؤخراً لعام آخر، متهماً إياه بتأجيج الحرب وزعزعة استقرار البلاد.
والآن، يُضاف إلى هذا السجل الثقيل تورط اسم قوش في خلية كشفت عنها السلطات الإماراتية، تتهمها بتهريب أسلحة إلى سلطة بورتسودان، في توقيت يتصاعد فيه الحديث عن مساعي عناصر إخوانية لإطالة أمد الحرب وإعاقة مبادرات السلام الإقليمية والدولية. وتكشف هذه الخلية، إن صحت الاتهامات، أن قوش لا يكتفي بشبكاته التقليدية داخل الأجهزة العسكرية والأمنية، بل يمد ذراعيه إلى شبكات تهريب عابرة للحدود، متسللاً عبر قنوات الاقتصاد الرمادي التي يُدير من خلالها، وفق ما يؤكده ضباط أمن متقاعدون، تجارة في الوقود والذهب ومنتجات مصنعه في السودان.
يبقى قوش نموذجاً صارخاً لأولئك الذين يُحسنون البقاء في دهاليز القوة بصرف النظر عن المتغيرات، متحصناً بشبكة معقدة من المصالح والولاءات التي تتقاطع مع محاور إقليمية ودولية. وبينما تتصاعد الضغوط الدولية لوقف الحرب السودانية، تبدو ملفات قوش بالغة الدلالة على حجم العقبات التي تعترض طريق السلام في بلد ينزف منذ أكثر من عامين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.