في الوقت الذي يعيش فيه السودان واحدة من أسوأ أزماته السياسية والإنسانية، تتزايد المؤشرات على أن جماعة الإخوان المسلمين في السودان لم تعد مجرد طرف سياسي داعم للسلطة القائمة في بورتسودان، بل أصبحت لاعباً محورياً في إدارة القرارين العسكري والسياسي، وصاحبة التأثير الأكبر في رسم علاقات حكومة الأمر الواقع داخلياً وخارجياً. وبحسب مصادر سياسية ودبلوماسية تحدثت لـعين الحقيقة، فإن الجماعة لا تكتفي بالمساندة التنظيمية أو الإعلامية، وإنما تمسك بخيوط حساسة داخل مؤسسات القرار، بدءاً من توجيه الخطاب السياسي، مروراً بإدارة التحالفات، وصولاً إلى التأثير في الملفات الخارجية والعلاقات الإقليمية.
منذ انتقال مؤسسات الدولة الرئيسية إلى مدينة بورتسودان، تحولت المدينة إلى عاصمة مؤقتة لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش السوداني. غير أن مراقبين يرون أن ما يجري هناك لا يمثل مشروع دولة حديثة بقدر ما هو إعادة إنتاج لمنظومة الحكم القديمة،
بورتسودان.. مركز سلطة جديد
منذ انتقال مؤسسات الدولة الرئيسية إلى مدينة بورتسودان، تحولت المدينة إلى عاصمة مؤقتة لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش السوداني. غير أن مراقبين يرون أن ما يجري هناك لا يمثل مشروع دولة حديثة بقدر ما هو إعادة إنتاج لمنظومة الحكم القديمة، بأدوات جديدة وواجهة مختلفة. ويقول مسؤول سوداني سابق لـعين الحقيقة، طالباً حجب اسمه، إن “القرارات الكبرى لا تُصنع داخل المؤسسات الرسمية، بل تُناقش في دوائر ضيقة مرتبطة بالحركة الإسلامية وشخصيات نافذة من النظام السابق”. وأضاف أن “الوزارات أصبحت في كثير من الأحيان مجرد واجهات تنفيذية لقرارات تتخذ خارجها”.
غياب الرؤية.. وعودة سياسات الماضي
يرى خبراء أن حكومة بورتسودان لم تقدم حتى الآن برنامجاً سياسياً أو اقتصادياً متماسكاً لمعالجة آثار الحرب، بل اكتفت بإدارة الأزمة وفق نهج يقوم على التعبئة العسكرية والخطاب الأيديولوجي. ويقول الباحث في الشأن السوداني عبد الرحمن الطيب لـعين الحقيقة إن “المشهد الحالي يعكس عودة كاملة لأساليب النظام السابق: مركزية القرار، تسييس الدولة، إدارة الصراعات عبر الاستقطاب، والاعتماد على الولاء التنظيمي بدلاً من الكفاءة”. وأضاف أن “السلطة الحالية تبدو أكثر اهتماماً بتثبيت نفوذها السياسي من اهتمامها بوضع حلول واقعية لانهيار الاقتصاد أو أزمة النازحين”.
علاقات متدهورة مع دول الجوار
أحد أبرز مظاهر الفشل السياسي تمثل، بحسب مراقبين، في التدهور السريع لعلاقات السودان مع محيطه الإقليمي. فخلال أشهر قليلة، دخلت الحكومة في توترات مع عدد من دول الجوار، بينها إثيوبيا وتشاد وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى. مصدر دبلوماسي إقليمي قال لـعين الحقيقة إن “لغة التخوين والاتهامات التي صدرت من مسؤولين سودانيين أضعفت فرص التعاون، وخلقت حالة من عدم الثقة مع دول كانت قادرة على لعب أدوار إيجابية في الوساطة”. وأشار المصدر إلى أن بعض العواصم الإقليمية باتت تنظر إلى الخطاب الصادر من بورتسودان باعتباره امتداداً لسياسات النظام السابق، لا خطاب دولة تبحث عن شراكات جديدة.
مصر وإريتريا.. علاقة حذرة
في المقابل، حافظت حكومة بورتسودان في بداية الحرب على مستوى معقول من العلاقات مع مصر وإريتريا، بحكم اعتبارات أمنية وجيوسياسية مشتركة. غير أن هذه العلاقات، وفق تقديرات سياسية، ظلت محكومة بالحذر، ولم تتحول إلى تحالفات استراتيجية قادرة على تعويض خسارة السودان لمحيطه الأوسع. ويرى محللون أن القاهرة وأسمرة تتعاملان مع الأزمة السودانية بمنطق إدارة المخاطر، أكثر من تبني مشروع سياسي واضح لصالح أي طرف.
فشل في استقطاب الحلفاء
ورغم محاولات الانفتاح الخارجي، لم تتمكن حكومة بورتسودان من استقطاب دعم دولي مؤثر، حتى من دول ارتبطت تاريخياً بعلاقات مع الإسلاميين السودانيين. وتقول مصادر متابعة إن تركيا، التي لجأ إليها عدد من رموز النظام السابق بعد سقوط البشير، فضّلت النأي بنفسها عن الانخراط المباشر، مع التركيز على مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها المتوازنة في المنطقة. كما أخفقت السلطة القائمة في استعادة قنوات فعالة مع الاتحاد الأفريقي ومنظمة إيغاد، بعد تصاعد الخلافات بشأن مبادرات الوساطة وشروط التفاوض.
لا تتحمل النخب السياسية وحدها نتائج هذا النهج، بل يدفع المواطن السوداني الكلفة الأكبر: عزلة خارجية، تراجع فرص السلام، انهيار اقتصادي..
حملات إعلامية أضرت بالمصالح السودانية
تؤكد مصادر إعلامية لـعين الحقيقة أن منصات محسوبة على الحركة الإسلامية قادت حملات منظمة ضد رؤساء ومسؤولين في دول الجوار، استخدمت فيها لغة حادة واتهامات بالفساد والارتشاء. ويرى خبراء أن هذه الحملات لم تكن مجرد سجالات إعلامية، بل جزءاً من نهج سياسي أضر بصورة السودان، وعمّق العزلة الدبلوماسية في لحظة كانت البلاد تحتاج فيها إلى دعم إقليمي واسع.
ياسر العطا ودور المواجهة الخارجية
في قلب هذا المشهد، يبرز اسم الفريق ياسر العطا، مساعد القائد العام للجيش السوداني، الذي يوصف من قبل مراقبين بأنه أحد أبرز الوجوه المقربة من الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية. وتقول مصادر سياسية إن العطا لعب دوراً محورياً في تبني خطاب تصعيدي تجاه بعض الدول، ما ساهم في توسيع فجوة الخلافات الخارجية، وأضعف فرص التهدئة الدبلوماسية.
من يدفع الثمن؟
في نهاية المطاف، لا تتحمل النخب السياسية وحدها نتائج هذا النهج، بل يدفع المواطن السوداني الكلفة الأكبر: عزلة خارجية، تراجع فرص السلام، انهيار اقتصادي، واستمرار الحرب. ويقول الخبير الاقتصادي خالد محمد لــ(عين الحقيقة) إن “أي سلطة تفشل في بناء علاقات مستقرة مع محيطها، وتصر على إدارة الدولة بعقلية تنظيمية، ستقود البلاد إلى مزيد من الانكماش والفقر”.
تكشف التطورات الجارية أن أزمة السودان لم تعد مجرد صراع عسكري، بل أزمة حكم ورؤية وإدارة دولة. وإذا استمرت حكومة بورتسودان في تكرار سياسات الماضي، فإنها لن تنتج سوى مزيد من العزلة والانقسام. ويبقى السؤال الذي يطرحه السودانيون اليوم: هل يتعلم أصحاب القرار من دروس السقوط السابق، أم يعيدون إنتاج التجربة نفسها فوق أنقاض وطن ينهار؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.