صراع مكتوم في بورتسودان.. تحالف الحرب يترنح بين النفوذ والتمرد

تقرير: عين الحقيقة

تتصاعد في بورتسودان نُذر مواجهة مكتومة بين قيادة الجيش وحركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، بما يهدد بتفتيت التحالف الذي استند إليه الجيش منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 في مواجهته مع الدعم السريع.

وتتكشف الأزمة على مستويين: سياسي يتعلق بالصراع على النفوذ والمال، وعسكري تجسّد في تحركات ميدانية غير منسّقة لآليات الحركة نحو الخرطوم، بحسب ما أفادت به مصادر مساء أمس.

“مواجهة الفندق”.. ملفات الفساد تطفو على السطح

بدأت الأزمة بإقالة د. سيف الدولة سعيد كوكو، المفوض العام للجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي، حيث تحولت الإقالة إلى نقطة خلاف حادة بين رئيس وزراء ما تُسمّى بحكومة الأمل، كامل إدريس، ووزير المالية جبريل إبراهيم.

وكشفت تسريبات عن مواجهة عاصفة بين الطرفين، شرعت خلالها رئاسة الوزراء في استخدام تقارير المراجع العام للضغط على طموحات حركة العدل والمساواة.

وبرز مشروع تأهيل “عمارة التأمينات”، المعروف بـ”فندق الضمان”، كعنوان بارز للخلاف، بعدما أظهرت التقارير سيطرة كوادر من حركة العدل والمساواة على المشروع وتحويله إلى سكن مجاني استنزف موارد الصندوق دون تحقيق عوائد، ما وضع إبراهيم في موقف دفاعي حرج.

تحركات عسكرية منفردة تنذر بتصدّع الجبهة الداخلية

ووفقاً لما راج أمس، فإن الاستخبارات العسكرية للجيش رصدت تحركات لآليات قتالية تابعة لحركة العدل والمساواة باتجاه الخرطوم، دون تنسيق مسبق مع غرفة عمليات الجيش، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها رسائل قوة وبوادر تمرد.

ويشير هذا التحرك المنفرد إلى غياب القيادة الموحدة، ويؤكد أن الحركات بدأت تتحرك لتأمين مواقعها تحسباً لأي تطورات قادمة.

وتأتي هذه التطورات بعد خلافات ميدانية شهدتها مدينة الأبيض، ما يثير مخاوف من وقوع اشتباكات بنيران صديقة في مناطق التماس.

الحقيبة الوزارية مقابل العزلة الدولية

ويبدو أن قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يواجه معضلة مزدوجة؛ إذ يصرّ جبريل إبراهيم على منصب “نائب رئيس الوزراء” شرطاً للبقاء في التحالف، بينما يمثل وجوده عبئاً دبلوماسياً بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة عليه.

ويرى محللون أن استمرار جبريل إبراهيم في موقع القرار المالي يمنح واشنطن والمجتمع الدولي ذريعة لاستمرار خنق حكومة الأمر الواقع اقتصادياً وحرمانها من التمثيل الفعّال في المحافل الدولية، في حين أن إزاحته قد تعني خروج أحد أكبر الفصائل المسلحة من مظلة الجيش في توقيت ميداني حرج.

سيولة الولاءات ونهاية “شهر العسل”

مع بروز قيادات منشقة من أطراف أخرى وانضمامها إلى معسكر بورتسودان، أصبحت خارطة التحالفات سائلة وغير مستقرة. ويرى مراقبون أن “تحالف الضرورة” الذي بُني على المصالح والمطامع بدأ يتآكل من الداخل بفعل الصراع على الموارد والمناصب المستقبلية.

وتحوّلت بورتسودان من عاصمة بديلة إلى مسرح لعملية كسر عظم سياسية وعسكرية. وإذا لم تنجح قيادة الجيش في معالجة الموقف المتأزم، وتلبية طموحات حلفائها في المال والسلطة، أو إعادة هيكلة العلاقة معهم بعيداً عن المحاصصات التي أثبتت فشلها في “اتفاق جوبا”، فإن الجبهة الداخلية قد تنفجر قبل حسم معارك الخارج.

في هذا المشهد المتفجر، لم يعد الصراع داخل معسكر بورتسودان مجرد خلاف عابر، بل تحول إلى صراع بقاء تُدار فيه التحالفات بعقلية الغنيمة لا الدولة. ومع استمرار هذا التآكل، لم يعد السؤال: هل سينهار التحالف؟ بل متى وكيف ستكون لحظة الانفجار. فالتجارب القريبة تؤكد أن التحالفات الهشة التي تُبنى على المحاصصة والابتزاز السياسي سرعان ما تنقلب إلى ساحات اقتتال، وحينها لا يكون الخاسر طرفاً بعينه، بل دولة كاملة تُدفع مرة أخرى إلى حافة الانهيار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.