لهذه الأسباب لا تصلح الكتلة الديمقراطية كأداة للاستخدام السياسي مجدداً ، ويكشف هذا المسار بوضوح أن الدور الإقليمي يفتقر إلى رؤية سياسية حكيمة، لتكراره سياسة “تجريب المجرب”. هذا بجانب أن أمريكا وضعت شرطاً قاسياً لقبول الكتلة، يهدد وجودها قبل أن تكون مهددة!!
طيف أول:
لا تحاول أن تمضي نحو حتفك دون رسن،
فيسحق القدر أحلامك الصغيرة تحت حوافره.
وعندما يُطرح بديل سياسي بلا قاعدة جماهيرية أو ثورية، وبلا سند دولي، وذو علاقة مترسخة بالحرب والانقلاب، يصبح عاجزاً عن فرض أي تسوية حقيقية، ويتحوّل تلقائياً إلى مجرد واجهة واختيار بديل غير ناجح لا يوقف الحرب، بل يمدّدها ويجعلها أكثر تعقيداً، لأنه يفتقر إلى الشرعية ويعطّل الحل المدني ويعيد إنتاج الأزمة.
والغطاء الإقليمي للمؤتمر التنظيمي الثاني للكتلة الديمقراطية، الذي عُقد في مدينة بورتسودان يومي 25 و26 أبريل 2026، وحضره مالك عقار وعدد من السفراء بينهم ممثلو السعودية ومصر وروسيا، أدان الحرب ودعا إلى وقفها عبر الحلول السياسية، وأكد الحاجة إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على سيادة القانون، والتشديد على أهمية الانتخابات الحرة كطريق لإنهاء الصراع.
ومنذ أن استقبلت السعودية وفداً من جنوب السودان كنا ذكرنا في الأسبوع الماضي أنها تسعى لخلق مسار موازٍ للرباعية. وعلى الرغم من أن السعودية ومصر تتحركان لإيجاد مسار بديل، إلا أنهما في العلن ما زالتا تؤكدان التمسك بها.
فالسعودية تحديداً تستخدم جوبا كقناة خلفية للتواصل مع الدعم السريع، بينما مصر تركز على تثبيت موقع الجيش، ما يعكس رغبة مشتركة في امتلاك أدوات خارج الإطار الرباعي التقليدي.
وقد ترى هذه الدول أن تحالف “صمود” إذا نجح في فرض خطابه المدني، فإن ذلك يضعف موقف الجيش الذي تعتبره حليفها الاستراتيجي. لذلك، من مصلحتها تقليل تأثير “صمود” أو تحجيمه. والسعودية تريد أن تبقى هي المنصة الرئيسية، سواء عبر مسار جدة أو أي مسار موازٍ. وجود “صمود” كقوة مدنية مستقلة يخلق منافسة على الشرعية السياسية، وهو ما لا ترغب فيه الرياض.
وبالأمس كشفت المصادر أن واشنطن اشترطت على الدولتين أن قبول الكتلة الديمقراطية يأتي مرهون بإبعاد التيارات التي شاركت في الحرب. هذا الطلب يعكس رغبة أمريكية في تنقية المشهد المدني من القوى المرتبطة بالصراع العسكري.
وهي المحاولة التي طرحها جعفر الميرغني على الكتلة في آخر إجتماع، لكنها واجهت رفضاً مباشراً من جبريل ومناوي، الأمر الذي قد ينعكس مباشرة على الأرض، كما أنه يضعف شرعية الكتلة الديمقراطية إذا أصرت على إبقاء هذه الحركات ويهدد الخطة بالانهيار.
هذا الشرط الذي تضعه أمريكا قد يضرب وحدة الكتلة الديمقراطية ويضعف الغطاء المدني الذي تحتاجه القاهرة والرياض، ويفتح الباب أمام واشنطن لتقويض أي مسار إقليمي لا يتماشى مع رؤيتها، ويعقد المشهد ميدانياً وعسكرياً.
ومصر تعتبر وجود جبريل ومناوي ضرورياً، لأنهما يمنحان الجيش غطاءً سياسياً ويظهران أن هناك تحالفاً مدنياً عسكرياً. أما السعودية فتحتاج الكتلة كمنصة سياسية بديلة أو موازية للرباعية، لتقلل بها من الزخم الدولي الذي حصل عليه “صمود”. وإذا فقدت هذه الحركات، تفقد جزءاً من وزنها التفاوضي، لذلك تحاولان إضعاف وتقليل دور “صمود” الذي يرفض الحل العسكري، ويدعو إلى وقف الحرب، والضغط على الأطراف المتحاربة.
هذا يتعارض مع الموقف الذي تدعمه مصر بشكل مباشر، ومع المسار التفاوضي السعودي الذي يريد إبقاء الجيش طرفاً أساسياً في أي تسوية. وبالتالي، أي قوة مدنية تحاول نزع الشرعية عن الجيش أو الدعم السريع تُعتبر تهديداً لمعادلة النفوذ الإقليمي.
لكن تبقى فكرة استخدام ورقة الكتلة الديمقراطية من قبل الدول الإقليمية إن كان لهزيمة الرباعية او لإضعاف صمود او من أجل وقف الحرب كما تدعي الخطة تبقى رؤية يشوبها قصور كبير، فهذا المسار لن ينجح لعدة أسباب جوهرية، هذا إن لم تمت خطته في مهدها. فالكتلة الديمقراطية ليست خارج الأزمة، بل هي أصلها، إذ كانت السبب المباشر في الانقلاب الذي وفّر المناخ المناسب لانفجار الحرب، لذلك لن تكون خياراً مناسباً لإحلال السلام.
أولاً: لأنها فقدت بريقها السياسي بعدما تحولت إلى أداة كيزانية عسكرية للمؤامرات والانشقاقات والانقلابات والفوضى، وبما أنها ليست جزءاً من “صمود”، فهذا يضعف تأثيرها على وحدة الصف المدني.
ثانيا ً : وبعد اندلاع الحرب، لم يعد هناك خراب أو دمار يمكن أن تشيده المؤامرة، ولا حكم مدني لتهدمه، مما يجعلها فاقدة القدرة على التأثير.
ثالثاً : دعمها للانقلاب أفقدها شرعيتها، ثم جاء دعمها للحرب لينزع عنها ما تبقى من قبول سياسي، لذلك خسرت موقعها كفاعل مدني. وبالمقارنة مع “صمود”، لا تمتلك الكتلة أي قاعدة شعبية ثورية ولا تحظى بدعم دولي، الأمر الذي يجعلها بديلاً سياسياً فاشلاً.
ومسرح تسويق الكتلة الآن يحاول أن يستمد ضوءاً من العتمة، إذ إن الخطة كلها تقوم على تثبيت شرعية البرهان، وهي شرعية متصدعة لا يمكن البناء عليها ولا إصلاحها، ولا حل إلا بزوالها.
لذلك يكشف هذا المسار أن الدور الإقليمي يفتقر إلى رؤية سياسية حكيمة، وأنه يكرر تجربة “تجريب المجرب”، وهو ما يضعف فرص نجاحه ويجعل الكتلة الديمقراطية عبئاً على دول الإقليم أكثر من كونها جزءاً من الحل.
طيف أخير:
أساتذة الجامعات قالوا إنهم لم يصرفوا مرتباتهم لعشرين شهراً، وطلاب جامعة الخرطوم ـ بعد إعلانها استئناف الدراسة وإغلاق مراكزها بالخارج وتحديد موعد الامتحانات ـ عادوا إلى الخرطوم، وآخرون في طريقهم إليها، لتعلن الجامعة تأجيل الدراسة. هذا الواقع الأليم الذي يعيشه التعليم والمعلم يكشف أن حكومة “الألم” ما زالت تصر على جرّ المواطن إلى الهاوية، وتمارس عليه خدعتها باسم الأمل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.