في بلد يئن تحت وطأة الحرب والانهيار الاقتصادي والتشظي السياسي، كان من المفترض أن تنصرف طاقة المسؤولين في السودان إلى إنقاذ ما تبقى من الدولة، لا إلى فتح جبهات صراع جديدة داخل مؤسساتها المنهكة. لكن التوتر المتصاعد بين جبريل إبراهيم، وزير المالية، وكامل إدريس، رئيس الوزراء، يعكس مرة أخرى أن أزمة السودان ليست فقط في البنادق المشتعلة، بل أيضاً في عقلية الحكم التي تقدم التنافس على النفوذ على حساب المصلحة العامة.
هذا الصراع، سواء ظهر في صورة خلافات إدارية أو تنازع صلاحيات أو تباين في الرؤى الاقتصادية والسياسية، لا يمكن عزله عن السياق العام للبلاد. فالسودان يعيش فراغاً مؤسسياً عميقاً، حيث تتداخل السلطات، وتضطرب مراكز القرار، وتغيب المرجعيات الواضحة. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الصدام بين المسؤولين أمراً متوقعاً، لأن كل طرف يسعى لتثبيت موقعه في مشهد غير مستقر.
جبريل إبراهيم ليس مجرد وزير مالية، بل زعيم سياسي يحمل إرثاً تنظيمياً وحضوراً في معادلات القوة التي تشكلت بعد اتفاق جوبا. أما كامل إدريس، فيُنظر إليه باعتباره واجهة تنفيذية تسعى إلى تقديم نفسها كبديل تكنوقراطي قادر على إدارة الدولة. وبين الرجلين تقف أسئلة النفوذ، والشرعية، ومن يملك القرار الحقيقي.
إذا استمر هذا الصراع، فإن أول الخاسرين سيكون الاقتصاد السوداني. فالمالية العامة تحتاج إلى تنسيق، وثقة، واستقرار في القرار، لا إلى رسائل متبادلة وصراعات مكتومة أو معلنة. المستثمرون يراقبون، والمؤسسات الدولية تراقب، والمواطن الذي يواجه الغلاء وانعدام الخدمات يراقب أيضاً. وكلما اهتزت صورة الدولة، تراجع الأمل في أي تعافٍ قريب.
أما سياسياً، فإن استمرار الخلاف يكشف هشاشة الترتيبات القائمة، ويؤكد أن كثيراً من المناصب في السودان ما زالت تُدار بمنطق المحاصصة لا بمنطق الدولة. وعندما يكون كل مسؤول ممثلاً لكتلة أو قوة أو تسوية، يصبح الولاء للموقع أضعف من الولاء للحسابات السياسية الخاصة.
المآلات المحتملة لهذا الصراع متعددة. قد يُحتوى مؤقتاً عبر تسوية فوقية تفرض هدنة سياسية بين الطرفين، لكن ذلك لن يعالج جذور الأزمة. وقد يتصاعد إلى إقالة أو استقالة أحدهما، ما يفتح باباً جديداً للاضطراب. وقد يتحول إلى نموذج أوسع لصراعات داخل السلطة نفسها، حيث تتنافس المكونات المختلفة على النفوذ في مرحلة شديدة السيولة.
لكن الاحتمال الأخطر هو أن يعتاد السودانيون على هذا العبث، وأن يصبح التنازع داخل الدولة أمراً عادياً، بينما تتآكل مؤسساتها بصمت. فالدول لا تنهار فقط بالحروب، بل تنهار أيضاً حين تصبح السلطة ساحة تصفية حسابات دائمة.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس انتصار جبريل على كامل، ولا كامل على جبريل، بل انتصار فكرة الدولة على منطق الأشخاص. يحتاج إلى مؤسسات واضحة الصلاحيات، شفافة القرار، تخضع للمساءلة، وتعمل وفق برنامج وطني لا وفق أمزجة المتنافسين.
إن الشعب السوداني، الذي دفع أثماناً باهظة من دمه ولقمة عيشه وأمنه، لا يعنيه من يكسب هذه الجولة داخل السلطة، بقدر ما يعنيه أن يجد خبزاً، ودواءً، وخدمة، ومستقبلاً أقل ظلاماً. أما صراعات النخبة، فقد أثبتت التجربة أنها غالباً تبدأ بالمناصب وتنتهي على حساب الناس.
ويبقى السؤال: هل يتعلم القادة من خراب البلاد، أم يواصلون التنازع فوق أنقاضها؟
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.