عواصم تتحرك في الظل.. هل تبدأ إعادة تشكيل المشهد السياسي في السودان؟

تقرير: عين الحقيقة

تشهد الساحة السودانية خلال الفترة الأخيرة حراكاً إقليمياً متسارعاً، تقوده عواصم عربية وأفريقية فاعلة، في محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي وفتح نافذة جديدة نحو تسوية تنهي الحرب المستمرة، وتضع البلاد على مسار انتقالي أكثر استقراراً. ويأتي هذا التحرك في ظل انسداد داخلي واضح، بعد حرب خلّفت أوضاعاً إنسانية كارثية، وأدت إلى انهيار واسع في مؤسسات الدولة، وتراجع الاقتصاد، واتساع رقعة النزوح واللجوء.

تتجه بعض القوى الإقليمية نحو الدفع بمنصة تفاوضية موحدة وأكثر تماسكا، بهدف منع تضارب المبادرات وجمع الأطراف المتصارعة تحت سقف واحد..

لماذا يتحرك الإقليم الآن؟
يرى مراقبون أن استمرار الحرب في السودان لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل تحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي، مع تصاعد موجات اللجوء، وتنامي التهريب، وتزايد المخاوف الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كما أن طول أمد الحرب دون حسم عسكري واضح دفع عدداً من الدول إلى القناعة بأن الحل الوحيد الممكن هو الحل السياسي، عبر ترتيبات جديدة تعيد إنتاج سلطة قادرة على إدارة الدولة.
توحيد المنابر التفاوضية
بعد تعدد المبادرات بين جدة، ومسارات أفريقية، وجهود أممية، تتجه بعض القوى الإقليمية نحو الدفع بمنصة تفاوضية موحدة وأكثر تماسكا، بهدف منع تضارب المبادرات وجمع الأطراف المتصارعة تحت سقف واحد. ويعتقد دبلوماسيون أن توحيد المنابر أصبح ضرورة، بعد أن أضعف تعدد المسارات فرص الوصول إلى نتائج ملموسة.
توسيع المشاركة المدنية
من بين أبرز ملامح التحركات الجديدة، السعي إلى توسيع قاعدة التمثيل المدني، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن أي اتفاق لا يضم القوى المدنية والمجتمعية سيظل هشاً وقابلاً للانهيار. وتشير تقديرات سياسية إلى وجود مشاورات حول منح القوى المدنية دوراً أكبر في أي مرحلة انتقالية مقبلة، بما يضمن توازناً بين المدنيين والعسكريين.
ترتيبات لمرحلة انتقالية جديدة
تتداول أوساط سياسية مقترحات بشأن تشكيل حكومة انتقالية موسعة، إلى جانب مجلس سيادي محدود الصلاحيات، وبرنامج إسعافي عاجل يركز على استعادة الخدمات الأساسية وتهيئة البلاد لانتخابات مستقبلية. ويرى خبراء أن نجاح أي صيغة انتقالية سيعتمد على وضوح الصلاحيات، ووجود توافق داخلي، ودعم إقليمي ودولي حقيقي.
ضمانات إقليمية ودولية
أي اتفاق مرتقب سيحتاج إلى ضمانات قوية من أطراف مؤثرة، سواء في التمويل، أو المراقبة، أو دعم إعادة الإعمار. وتشير مصادر إلى أن عدداً من الدول أبدى استعداداً للمساهمة في دعم السودان اقتصادياً إذا تحقق وقف شامل للحرب وتم إطلاق عملية سياسية مستقرة.
العقبات أمام التسوية
رغم الزخم الإقليمي، فإن الطريق لا يزال معقداً، بسبب عدة عوامل، أبرزها:
انعدام الثقة بين أطراف الصراع.
تعدد مراكز القرار العسكري.
تباين أجندات القوى السياسية.
وجود أطراف مستفيدة من اقتصاد الحرب.
مخاوف شعبية من إعادة تدوير النخب القديمة.
ويرى محللون أن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة قد تنتج هدنة مؤقتة، لا سلاماً دائماً.
الشارع السوداني.. أمل حذر
في الداخل، يتابع السودانيون هذه التحركات بمزيج من الأمل والريبة. فالمواطن الذي أنهكته الحرب لم يعد معنياً كثيراً بأسماء الوسطاء، بقدر اهتمامه بنتائج ملموسة: وقف القتال، عودة الخدمات، فتح المدارس، وتأمين الغذاء والدواء. ويؤكد ناشطون أن الشارع السوداني فقد الثقة في المؤتمرات والبيانات، وينتظر خطوات عملية هذه المرة.
هل تقترب لحظة التسوية؟
لا توجد مؤشرات حاسمة حتى الآن على قرب اتفاق نهائي، لكن الحراك الإقليمي المتسارع يعكس قناعة متزايدة بأن الوقت حان لإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني، قبل أن يصبح الانهيار أعمق وأصعب علاجاً. ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح العواصم المتحركة في صناعة تسوية قابلة للحياة، أم أن تعقيدات الداخل السوداني ستبتلع المبادرة الجديدة كما حدث سابقاً؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.