من المراحيل إلى النفط… كيف أحكم الإسلاميون السيطرة على كردفان؟

تقرير: عين الحقيقة

في واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث، تبرز تجربة إقليم كردفان كنموذج لكيفية توظيف السلطة للقبيلة والموارد ضمن مشروع سياسي طويل الأمد. وتكشف معطيات ميدانية وتقارير متقاطعة أن سياسات النظام المرتبط بالحركة الإسلامية لم تقتصر على إدارة الدولة، بل امتدت إلى إعادة تشكيل المجتمع نفسه بما يخدم استمرارية الحكم.

منذ ثمانينيات القرن الماضي، اتجهت السلطة إلى بناء منظومة عسكرية موازية تعتمد على التعبئة القبلية، حيث جرى إنشاء قوات الدفاع الشعبي كإطار جامع لتجنيد المدنيين..

إعادة تشكيل القبيلة كأداة للحرب
منذ ثمانينيات القرن الماضي، اتجهت السلطة إلى بناء منظومة عسكرية موازية تعتمد على التعبئة القبلية، حيث جرى إنشاء قوات الدفاع الشعبي كإطار جامع لتجنيد المدنيين. وفي جنوب وغرب كردفان، تم استهداف قبائل بعينها مثل المسيرية والحوازمة عبر استقطاب شبابها للقتال ضمن ما عُرف بـ«المراحيل»، ثم دمجهم لاحقًا في وحدات منظمة. هذا التحول نقل القبيلة من كيان اجتماعي إلى فاعل عسكري مرتبط بأجندة الدولة، ما أدى إلى إنهاك هذه المجتمعات واستنزاف طاقاتها البشرية في حروب طويلة.
الخطاب الديني كوسيلة للتعبئة
اعتمدت السلطة على خطاب ديني مكثف لتبرير الحرب وتسهيل عمليات التجنيد، حيث تم تقديم الصراع في بعض مراحله باعتباره «جهادًا». وقد لعب هذا الخطاب دورًا محوريًا في تحفيز المقاتلين، لكنه في الوقت ذاته عمّق الانقسامات وزاد من حدة الاستقطاب داخل المجتمع.
كما أدى إلى خلط الدين بالسياسة بطريقة جعلت من الصعب لاحقًا تفكيك آثار هذا التوظيف.
الاقتصاد الموازي ونهب الموارد
لم يقتصر التوظيف على البشر، بل شمل الموارد الطبيعية التي تزخر بها كردفان، خاصة النفط والذهب. وتشير تقارير إلى أن عائدات النفط لم تنعكس على تنمية المناطق المنتجة، بل ذهبت إلى شبكات معقدة من المصالح المرتبطة بالنخبة الحاكمة. وفي قطاع الذهب، برزت شركات مرتبطة بالنفوذ السياسي استخدمت وسائل استخراج ضارة مثل «السيانيد»، ما تسبب في أضرار بيئية وصحية للسكان المحليين. هذا النمط من الإدارة خلق اقتصادًا موازيًا قائمًا على الاستغلال بدلًا من التنمية.

على الرغم من أن جنوب وغرب كردفان تُعدّان من أغنى مناطق السودان بالموارد، فإن المجتمعات المحلية ظلت تعاني من الفقر وضعف الخدمات الأساسية..

تفكيك النسيج الاجتماعي وإدارة الصراع
أدت هذه السياسات إلى إضعاف التماسك الاجتماعي عبر إذكاء التنافس بين المكونات القبلية وربط الامتيازات بالولاء السياسي. وفي كثير من الأحيان، تحولت النزاعات المحلية إلى صراعات أوسع نتيجة التدخلات غير المتوازنة من السلطة. كما ساهمت حالة «اللاسلم واللاحرب» في استمرار التوترات، ما جعل الإقليم يعيش حالة عدم استقرار مزمنة.
الفقر رغم الوفرة
على الرغم من أن جنوب وغرب كردفان تُعدّان من أغنى مناطق السودان بالموارد، فإن المجتمعات المحلية ظلت تعاني من الفقر وضعف الخدمات الأساسية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى ارتفاع معدلات الفقر بشكل لافت نتيجة غياب التنمية الحقيقية وتوجيه الموارد بعيدًا عن المجتمعات المنتجة. هذا التناقض بين الوفرة الطبيعية والحرمان البشري يعكس عمق الخلل في إدارة الموارد.
إرث مستمر وتحديات الحاضر
لا تزال آثار هذه السياسات ماثلة حتى اليوم، حيث تتداخل القضايا القبلية مع السياسية والاقتصادية في مشهد معقد. ويرى مراقبون أن أي محاولة لتحقيق الاستقرار في كردفان تتطلب معالجة جذور المشكلة، وليس فقط مظاهرها، بما في ذلك إعادة بناء المؤسسات على أسس عادلة، وفصل العمل العسكري عن البنية القبلية، وضمان توزيع عادل للموارد.
خلاصة القول
يكشف هذا الملف أن ما حدث في كردفان لم يكن مجرد أخطاء مرحلية، بل كان جزءًا من بنية حكم اعتمدت على توظيف الإنسان والموارد لخدمة مشروع سياسي ضيق، ما أسهم في إنتاج واقع هش تتداخل فيه المصالح العسكرية والقبلية والاقتصادية على نحو معقد.
في نهاية المطاف، لا تبدو كردفان مجرد ساحة صراع عابر، بل نموذجًا صارخًا لكيفية تحويل المجتمعات إلى أدوات ضمن مشروع سياسي مغلق، تُستنزف فيه القبائل وتُنهب الموارد باسم السلطة. فالإرث الذي خلّفته هذه السياسات لم يدمّر الحاضر فحسب، بل يرهن المستقبل أيضًا، ويجعل أي حديث عن الاستقرار دون تفكيك هذه البنية أقرب إلى الوهم. وبين واقعٍ تُدار فيه المصالح بالقوة، ومجتمعاتٍ تُترك لمصيرها، يبقى السؤال الحاسم: هل تملك الدولة الإرادة لكسر هذه الحلقة، أم أن كردفان ستظل رهينة صراع يُعاد إنتاجه بأدوات مختلفة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.