في خطوة وُصفت بأنها واسعة وغير مدروسة، أقدمت حكومة بورتسودان، عبر مجلس الوزراء ووزارة التجارة، على إصدار قرار بحظر استيراد عشرات السلع المصنفة ككمالية، في محاولة معلنة للحد من تدهور الجنيه السوداني أمام الدولار. إلا أن القرار، الذي شمل أكثر من (40) سلعة، فتح الباب أمام موجة من الانتقادات الحادة، وسط تساؤلات جوهرية حول مدى فعاليته في معالجة جذور الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
القرار، الذي صدر بتوقيع رئيس الوزراء د. كامل إدريس، جاء في سياق ضغوط اقتصادية متزايدة، وانهيار مستمر في قيمة العملة المحلية، إلا أن مراقبين يرون أنه يندرج ضمن سلسلة من المعالجات السطحية التي لم تفلح سابقًا في وقف التدهور.
قائمة طويلة… وتأثير محل شك
تضمنت قائمة الحظر سلعًا متنوعة، من المواد الغذائية إلى مستحضرات التجميل، مرورًا بمدخلات إنتاج وسلع استهلاكية يومية، وهو ما اعتبره خبراء توسعًا غير مبرر يُضعف السوق بدلًا من تنظيمه.
ويقول خبير اقتصادي، فضّل حجب اسمه، لـ«عين الحقيقة»، إن السياسات التي تعتمد على الحظر والمنع دون إصلاحات هيكلية غالبًا ما تؤدي إلى نتائج عكسية، مضيفًا أن الطلب على الدولار لن يختفي، بل سيتحول إلى السوق الموازي، وربما يزداد.
وأوضح أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في حجم الاستيراد وحده، بل في ضعف الإنتاج المحلي، وتراجع الصادرات، وغياب الثقة في الجهاز المصرفي، مشيرًا إلى أن أي محاولة لضبط سعر الصرف دون معالجة هذه العوامل محكوم عليها بالفشل.
المغتربون… الحلقة الغائبة
في بلد يعتمد بشكل كبير على تحويلات المغتربين، تبدو سياسات الحكومة الحالية بعيدة عن استيعاب هذه الحقيقة. فآلاف الأسر السودانية في الداخل والخارج تعتمد على التحويلات المالية، خاصة عبر تطبيق بنك الخرطوم، كوسيلة أساسية للعيش في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
ويرى محللون أن حكومة كامل إدريس، بدلًا من تحفيز هذه التحويلات عبر القنوات الرسمية، اتجهت إلى سياسات تضييقية قد تدفع المتعاملين إلى اللجوء إلى السوق الموازي، حيث تكون أسعار الصرف أكثر جذبًا.
ويقول أحد المحللين: حين لا تكون هناك ثقة في السياسات النقدية، فإن أي قرار إداري لن ينجح في جذب العملات الأجنبية إلى القنوات الرسمية.
رجل أعمال: السوق سيتجه للتهريب
وفي إفادة خاصة لـ«عين الحقيقة»، قال رجل أعمال سوداني، طلب عدم ذكر اسمه، إن القرار سيؤدي عمليًا إلى اختفاء السلع من القنوات الرسمية، لكنه لن يلغي الطلب عليها، متوقعًا أن ينشط التهريب بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة.
واستدرك: التاريخ الاقتصادي في السودان واضح… كلما تم حظر سلعة دون بديل محلي حقيقي، انتعش السوق الأسود، وارتفعت الأسعار، ودفع المواطن الثمن.
المستوردون تحت الضغط
من جهته، عبّر أحد المستوردين العاملين في السلع المشمولة بالحظر عن مخاوفه من تداعيات القرار، مؤكدًا أن الكثير من التجار سيتعرضون لخسائر كبيرة، وربما يخرجون من السوق.
وأشار إلى أن بعض السلع المصنفة كمالية، في الواقع، تدخل في سلاسل إنتاج أو استهلاك أساسية، ما يعني أن الحظر قد يؤثر بشكل غير مباشر على قطاعات أوسع من الاقتصاد.
الدولار… هل يتراجع فعلًا؟
رغم رهان حكومة بورتسودان على أن تقليل الاستيراد سيؤدي إلى خفض الطلب على الدولار، إلا أن التجارب السابقة في السودان تشير إلى عكس ذلك. فغياب السياسات النقدية المتماسكة، وتعدد أسعار الصرف، واستمرار السوق الموازي، كلها عوامل تقوّض أي أثر محتمل لمثل هذه القرارات.
ويؤكد خبراء أن استقرار سعر الصرف لا يمكن تحقيقه عبر قرارات جزئية، بل يتطلب رؤية اقتصادية شاملة تشمل دعم الإنتاج، وزيادة الصادرات، وتحفيز الاستثمار، واستعادة الثقة في النظام المصرفي.
تخبط إداري أم سياسة بلا رؤية؟
وعليه، يرى مراقبون أن ما يحدث يعكس حالة من التخبط داخل مؤسسات اتخاذ القرار، حيث يتم اللجوء إلى أدوات تقليدية في مواجهة أزمة معقدة ومتجذرة.
فبدلًا من معالجة الأسباب الحقيقية لانهيار العملة، مثل ضعف الإنتاج وتراجع الإيرادات، تركز الحكومة على تقليل الاستيراد كحل سريع، رغم محدودية أثره.
ويبقى السؤال: هل ستنجح حكومة بورتسودان في كبح جماح الدولار عبر هذه القرارات، أم أن المواطن السوداني سيجد نفسه أمام موجة جديدة من الغلاء وشح السلع، دون أي تحسن يُذكر في قيمة الجنيه؟
في ظل المعطيات الحالية، تبدو الإجابة أقرب إلى الاحتمال الثاني، ما لم تُراجع السياسات الاقتصادية بشكل جذري، وتُستبدل المعالجات المؤقتة برؤية استراتيجية تعالج جذور الأزمة، لا أعراضها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.