عقود من التمكين: كيف حول الإخوان الجيش السوداني لأداة قمع داخلي !!!

ادم موسى عبد الله

لقد تحولت المؤسسة العسكرية في السودان، عبر عقود طويلة من التمكين السياسي والتداخل مع الحركة الإسلاموية، من جهاز وطني يفترض أن تكون مهمته الأساسية حماية الحدود والسيادة الوطنية، إلى هيكل سياسي وعسكري يحمل مشروعاً سلطوياً متكاملاً يقوم على احتكار القرار وإقصاء القوى المدنية من المجال العام. هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكمات ممتدة منذ سنوات، حيث جرى توظيف الجيش كأداة لحماية النظام لا لحماية الوطن، وأصبحت العقيدة القتالية موجهة نحو الداخل ضد المواطنين والقوى السياسية أكثر من توجيهها نحو التهديدات الخارجية التي تمس أمن الدولة الحقيقي.

 

إن استمرار هذا الوضع يعني بقاء السودان في دائرة الانقلابات والحروب والانهيار المؤسسي، لأن الأزمة لم تعد مرتبطة بأشخاص أو حكومات مؤقتة، بل ببنية كاملة أُسست على فكرة السيطرة المطلقة ومنع التداول السلمي للسلطة. ولهذا فإن الحديث عن الإصلاح الجزئي أو التسويات المرحلية لم يعد كافياً، لأن المشكلة أعمق من مجرد تغيير الوجوه أو استبدال القيادات؛ إنها أزمة تأسيس دولة من الأساس.

 

إعادة تأسيس الدولة تعني بناء مؤسسات جديدة على قاعدة وطنية لا حزبية، ومهنية لا أيديولوجية، وعدالة لا ولاء سياسي. وتعني أيضاً إعادة تعريف دور الجيش ليعود مؤسسة قومية محترفة تخضع للسلطة المدنية وتلتزم بحماية الدستور والشعب، لا حماية الأنظمة والحكومات. كما تتطلب هذه العملية تفكيك شبكات التمكين التي تغلغلت في أجهزة الدولة، ومنع إعادة إنتاجها عبر واجهات جديدة أو شعارات مضللة.

 

إن مشروع التأسيس الحقيقي لا ينجح بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة ورؤية واضحة تضمن مشاركة جميع السودانيين في بناء دولة المواطنة والقانون. فالسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إنهاء الحرب، بل إلى إنهاء الأسباب التي صنعت الحرب، ولا يمكن تحقيق ذلك دون قطيعة كاملة مع بنية الاستبداد القديمة وفتح الطريق نحو جمهورية جديدة تقوم على الحرية والعدالة والسلام المستدام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.