من يتأمل حركة النمل للوهلة الأولى قد يخاله في حال رقص جماعي عجيب؛ دوائر متقاطعة، مسارات تتشابك، وأفراد تتزاحم في انتظام لا يختل. غير أن العلم يخبرنا أن ما يبدو رقصًا ليس سوى نظام بالغ الدقة، تحكمه إشارات كيميائية خفية، وتوزيع صارم للأدوار، وتدفق مستمر للمعلومات لا يُرى بالعين المجردة. هكذا تعمل المستعمرات الناجحة: حركة ظاهرة توحي بالفوضى، لكنها في حقيقتها نتاج عقل جمعي يخطط، ويراقب، ويعيد ترتيب نفسه كلما تبدلت الظروف.
ومن هذا المشهد الطبيعي، يمكن استعارة مجاز بالغ الدلالة لقراءة بعض الظواهر السياسية المعاصرة في السودان، حيث يرى مراقبون أن بعض الجماعات المنظمة لم تعد مجرد تيارات فكرية أو أحزاب تقليدية، بل شبكات متداخلة تعمل بمنطق المستعمرات الخفية؛ لا تظهر قوتها في خطابها العلني فحسب، بل في قدرتها على الانتشار الصامت داخل مفاصل الدولة والاقتصاد والمجتمع، وفي قدرتها على إعادة تشكيل نفسها كلما تعرضت لضغط أو تصنيف أو مواجهة.
لقد شهدت الساحة السودانية في الأعوام الأخيرة جدلًا متصاعدًا حول علاقة بعض التيارات ذات الخلفية الإسلامية بمراكز القرار العسكري، ولا سيما في ظل التحولات التي صاحبت صعود قيادة الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان. ويرى محللون أن هذه العلاقة، سواء كانت مباشرة أو عبر شبكات وسطاء، قد اتسمت بدرجات متفاوتة من التقاطع في المصالح، خصوصًا في ظل بيئة سياسية مضطربة تتنازعها القوى المدنية والعسكرية والميليشياوية.
وفي هذا السياق، برزت اتهامات متكررة في تقارير إعلامية وتحليلات بحثية تتحدث عن وجود كتائب أو تشكيلات مسلحة ذات ولاءات فكرية وتنظيمية، يُقال إنها انتشرت في بعض جبهات القتال، وشاركت في عمليات عسكرية أو أمنية تحت عناوين مختلفة. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن بعض هذه الجماعات واجهت تصنيفات مثيرة للجدل في دوائر إقليمية أو داخلية، ووصفت بأنها تمثل خطرًا أمنيًا أو تهديدًا لاستقرار الدولة، وهي تصنيفات ما تزال محل نزاع سياسي وقانوني في كثير من الأحيان.
غير أن أخطر ما في هذا المشهد، وفق قراءة عدد من الباحثين، ليس فقط في الوجود العسكري أو الأمني، بل في ما يمكن تسميته بـ”الحركة الاقتصادية غير المرئية”. فكما أن النمل لا يكتفي بالحركة فوق سطح الأرض، بل يبني مدنه تحت التربة، فإن بعض الشبكات التنظيمية – بحسب هذه القراءة – لم تكتف بالحضور السياسي أو الدعوي، بل عملت على بناء منظومات مالية وتجارية معقدة، تمتد من شركات واجهات إلى شبكات تمويل غير شفافة، مستفيدة من هشاشة الدولة ومن تعقيدات الاقتصاد في زمن الحرب.
ولا يقتصر أثر هذه “الحركة الاقتصادية غير المرئية” على تمويل العمليات أو تأمين الموارد فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية نفسها. ففي البيئات التي تطول فيها الحروب، تتغير منظومة القيم الاقتصادية، وتظهر طبقات جديدة من المنتفعين، تُعرف في الأدبيات الحديثة بـ”نخب اقتصاد الحرب”. هذه النخب لا تنشأ بالضرورة من فراغ، بل تتشكل عند تقاطع السلطة والسلاح والتجارة، حيث تصبح القدرة على الوصول إلى الموارد أهم من الكفاءة الإنتاجية، ويغدو النفوذ بديلًا عن القانون.
ومع مرور الزمن، تتحول هذه الطبقات إلى مراكز قوة يصعب تفكيكها، لأنها لا تعتمد على مورد واحد، بل على شبكة مصالح متشابكة: شركات استيراد، قنوات تمويل، عقود خدمات، ومنافذ توزيع. وفي مثل هذا السياق، يصبح الاقتصاد الرسمي مجرد واجهة، بينما تدور الحركة الحقيقية في مسارات موازية، غير خاضعة للرقابة الكاملة، ولا مرئية للمواطن العادي إلا عبر آثارها: ارتفاع الأسعار، ندرة السلع، واتساع فجوة الثروة بين فئات المجتمع.
ومن منظور أوسع، فإن أخطر ما في اقتصاد الحرب ليس فقط ما ينتجه من أرباح لبعض الأطراف، بل ما يزرعه من اختلالات طويلة الأمد. فالموارد التي تُستهلك بلا تخطيط، والبنى التحتية التي تُهمل، والقطاعات الإنتاجية التي تتراجع، تترك وراءها اقتصادًا هشًا، يعتمد على الوساطة أكثر من الإنتاج، وعلى الاستيراد أكثر من التصنيع. وهنا يصبح الخروج من الحرب أصعب من دخولها، لأن السلام نفسه يحتاج إلى اقتصاد قادر على النهوض، لا إلى شبكة مصالح اعتادت الفوضى وازدهرت في ظلها.
وفي بيئة الحروب الطويلة، يصبح الاقتصاد نفسه ساحة قتال موازية. إذ تتحول الموارد العامة إلى أهداف، وتصبح سلاسل الإمداد مسارات نفوذ، ويغدو تمويل العمليات العسكرية – أيا كان مصدره – عاملًا حاسمًا في إطالة أمد النزاعات. وفي هذا الإطار، تبرز اتهامات متكررة حول استفادة بعض الجهات من اقتصاد الحرب، سواء عبر السيطرة على موارد، أو عبر أنشطة تجارية مرتبطة بالتموين والتسليح، أو عبر استغلال الفوضى المؤسسية لتحقيق مكاسب مالية. وتبقى هذه الاتهامات، في كثير من الأحيان، رهينة الحاجة إلى تحقيقات شفافة ومستقلة تكشف ما هو ثابت بالدليل، وما هو مجرد ظنون في فضاء مشحون بالصراعات.
إن مجاز “رقص النمل” هنا لا يقصد به التشبيه الجمالي وحده، بل الكشف عن منطق عمل قائم على التراكم الصامت. فالشبكات التي تتقن فن البقاء لا تتحرك بعشوائية، بل وفق حسابات دقيقة، حيث تتوزع الأدوار بين من يقاتل، ومن يمول، ومن يخطط، ومن يدير الخطاب. وفي مثل هذه البنى، يصبح الفرد أقل أهمية من الشبكة نفسها، ويغدو الولاء للتنظيم أعلى من الولاء للمؤسسة الوطنية، وهي لحظة فارقة في تاريخ الدول حين تتآكل فكرة الدولة من داخلها لصالح كيانات موازية.
وفي هذا الإطار، تتجلى خاصية أخرى من خصائص الشبكات المعقدة، وهي قدرتها على التكيف السريع مع الضغوط. فعندما تُستهدف إحدى العقد داخل الشبكة، لا تنهار البنية بأكملها، بل تعيد توزيع الأدوار، وتنقل مراكز الثقل إلى مواقع جديدة. هذا النمط من المرونة هو ما يجعل بعض التنظيمات قادرة على البقاء رغم الضربات المتكررة، لأنها لا تعتمد على مركز واحد يمكن عزله أو تفكيكه، بل على تعددية مراكز تتبادل الوظائف فيما بينها.
ومن هنا، فإن مواجهة مثل هذه البنى لا يمكن أن تعتمد على الحلول الأمنية وحدها، مهما بلغت قوتها، بل تحتاج إلى رؤية مؤسسية شاملة تعيد بناء الثقة في الدولة، وتغلق الثغرات التي تسمح بنشوء الكيانات الموازية. فالشبكات لا تزدهر في الفراغ، بل في المساحات التي تتراجع فيها الدولة، أو تتعدد فيها مراكز القرار، أو تتآكل فيها قواعد المساءلة.
ومن زاوية بنيوية أعمق، يمكن القول إن الوطن حين يُثقل بمثل هذه الشبكات يشبه أرضًا تبدو صلبة من أعلاها، لكنها من الداخل مثقوبة بأنفاق لا تُرى. يمشي الناس على سطحها مطمئنين، غير مدركين أن التصدعات تتسع في العمق، حتى تأتي لحظة الانهيار المفاجئ، فيتساءل الجميع: متى بدأ الخلل؟ وأين كانت البدايات الأولى لهذا التآكل الصامت؟
ومن زاوية فكرية، يمكن القول إن أخطر ما تواجهه الدول في لحظات التحول ليس فقط الصراع المسلح، بل صراع السرديات. فكل شبكة، سياسية كانت أو عسكرية أو اقتصادية، تسعى إلى إنتاج روايتها الخاصة للأحداث، وتقديم نفسها بوصفها الحارس الضروري للاستقرار، أو الضامن الوحيد للأمن، أو القوة القادرة على حماية الهوية. ومع تكرار هذه السرديات، تتحول إلى حقائق ذهنية لدى بعض الفئات، حتى وإن لم تسندها الوقائع.
وفي عالم تتسارع فيه وسائل الاتصال، تصبح الكلمة جزءًا من المعركة، تمامًا كما يصبح المال جزءًا منها. إذ تُستخدم المنصات الإعلامية لبناء صورة، أو لتشويه أخرى، ولترسيخ انطباعات قد تستمر آثارها لسنوات طويلة. وهكذا، لا تعود المعركة مجرد مواجهة على الأرض، بل تتحول إلى صراع على الوعي ذاته: من يملك القدرة على تعريف الواقع؟ ومن يحدد معاني الانتصار والهزيمة؟
إن اللحظة السودانية الراهنة، بما تحمله من تعقيدات سياسية وعسكرية واقتصادية، تفرض على الباحثين والمفكرين قراءة تتجاوز ظاهر الأحداث إلى بواطنها. فليس كل ما يُرى في ساحات المعركة هو جوهر الصراع، ولا كل ما يُقال في البيانات الرسمية يعكس حقيقة التوازنات. إن كثيرًا من المعارك الحاسمة تُدار في الظل، حيث تتقاطع المصالح، وتُعقد الصفقات، وتُرسم خرائط النفوذ بعيدًا عن أعين العامة.
وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تفعل ذلك بالقوة وحدها، بل ببناء عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. فالدولة التي تُحصّن مؤسساتها بالشفافية، وتفتح اقتصادها للمساءلة، وتفصل بين النفوذ العام والمصالح الخاصة، تقل فيها فرص نشوء الشبكات الموازية، لأن البيئة نفسها تصبح أقل قابلية لاختفائها في الظل.
ولعل التحدي الأكبر أمام السودان اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، بل في منع تكرار شروطها. وهذا يتطلب إعادة النظر في بنية الاقتصاد، وآليات الحكم، وأدوار المؤسسات، بحيث لا تبقى التربة مهيأة لرقص جديد تحت سطحها. فكل شبكة تُبنى في الخفاء اليوم، قد تتحول غدًا إلى بنية يصعب اقتلاعها، وكل ثغرة تُترك دون إصلاح، قد تصبح نفقًا جديدًا في جسد الدولة.
وفي الختام، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع الدولة السودانية، بمؤسساتها الرسمية ومجتمعها المدني، أن تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والتنظيم، بين الجيش والسياسة، بين الاقتصاد العام والشبكات الخاصة؟ أم أن “رقص النمل” سيظل مستمرًا تحت التربة، يتكاثر بصمت، ويعيد تشكيل المشهد كلما ظن الناس أن العاصفة قد هدأت؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى خطاب عاطفي بقدر ما تحتاج إلى شجاعة مؤسسية، وشفافية قانونية، وإرادة وطنية ترى في الدولة فكرة عليا لا مجرد ساحة تتقاسمها الشبكات، مهما بلغ انتظام حركتها، أو براعة رقصها الخفي.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.