بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي مزّقت السودان، وخلّفت مدناً مدمرة، وملايين النازحين، وآلاف الضحايا، كان من الطبيعي أن يتصدر مطلب السلام أولويات الجميع. لكن المفارقة المؤلمة أن هناك من يرى في استمرار الحرب مصلحة سياسية، ومن يتعامل مع ركام الوطن باعتباره جسراً للعودة إلى السلطة.
من بين هذه القوى، تبرز مجموعات سياسية وإعلامية تقودها عناصر مرتبطة بالمؤتمر الوطني، الجناح السياسي لتنظيم الإخوان في السودان، وهي مجموعات لا تخفي رفضها لجهود التفاوض، وتعمل علناً على الترويج لاستمرار الحرب، مستخدمة خطاباً عاطفياً وشعارات تعبئة لا علاقة لها بآلام الناس ولا بمستقبل البلاد.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يرفض هؤلاء أي مساعٍ دولية أو إقليمية لوقف الحرب؟
السبب الأول واضح، وهو أن الحرب بالنسبة لهم ليست مأساة وطنية، بل نافذة للعودة إلى المشهد السياسي تحت حماية السلاح. فالتنظيم الذي لفظه الشارع في ثورة ديسمبر، وفقد سلطته بعد ثلاثين عاماً من الحكم، يدرك أن صناديق الاقتراع لن تعيده، وأن ذاكرة السودانيين ما زالت مثقلة بالفشل والقمع والفساد. لذلك تصبح الفوضى بديلاً عن الديمقراطية، وتصبح الحرب طريقاً مختصراً إلى النفوذ.
أما السبب الثاني، فهو الهروب من العدالة. فهناك ملفات ثقيلة ما زالت مفتوحة في وجدان السودانيين، وفي مقدمتها جريمة فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، وما ارتبط بها من دماء وانتهاكات لن تسقط بالتقادم الأخلاقي، حتى لو تعطلت قضائياً. كما أن كثيراً من رموز النظام السابق يواجهون اتهامات تتعلق بالفساد وإساءة استخدام السلطة، ولذلك فإن استمرار الحرب يمنحهم مساحة لإعادة التموضع، وتأجيل الحساب، وإرباك مسار العدالة.
السبب الثالث يتمثل في وقف عمليات تفكيك التمكين، ووأد الأسئلة الكبرى التي طُرحت بعد سقوط النظام، ومنها كيف سيطر تنظيم واحد على الدولة لعقود؟ وكيف استُخدمت مؤسسات البلاد لخدمة جماعة لا لخدمة الشعب؟ وكيف تم انقلاب 1989 الذي صادر إرادة السودانيين وأدخل البلاد في نفق طويل من الحروب والعزلة والانهيار؟
هذه الأسئلة لا يريد لها البعض أن تُطرح من جديد، لأن مجرد طرحها يذكّر الناس بجذور الأزمة الحقيقية. ولهذا يصبح استمرار الحرب وسيلة لدفن الملفات، وإشغال الناس بالبقاء اليومي بدلاً من المطالبة بالمحاسبة والإصلاح.
لكن ما يدعو للأسف أكثر، أن محاولات عرقلة السلام تجد صدى لدى بعض القيادات العسكرية، حيث تلتقي المصالح في نقطة واحدة: سلطة بلا رقابة، ومشهد مرتبك يسمح بتأجيل الاستحقاقات السياسية، وإضعاف القوى المدنية، وتقديم الحرب باعتبارها قدراً لا مفر منه.
غير أن الشعوب قد تصمت من التعب، لكنها لا تنسى. والسودانيون الذين خرجوا يوماً مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، لم ينسوا لماذا ثاروا، ولا من أوصل البلاد إلى هذا المصير. وهم يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الحرب ليست فقط معركة بنادق، بل أيضاً معركة وعي ضد من يحاولون إعادة إنتاج الماضي فوق أنقاض الحاضر.
إن السلام لا يعطل مصالح الشعب، بل يعطل مصالح تجار الحرب. والتفاوض لا يخيف المواطن، بل يخيف من يخشون فتح الملفات. أما الدولة المدنية العادلة، فهي الخطر الحقيقي فقط على من اعتادوا الحكم دون مساءلة. لهذا يرفضون وقف الحرب. ليس حباً في الوطن، بل خوفاً من اليوم الذي يعود فيه الوطن إلى أهله.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.