ياسر العطا.. الجنرال المثير للجدل وشبكات التقاطع مع الإسلاميين في السودان
بروفايل: عين الحقيقة
برز الفريق ياسر العطا خلال السنوات الأخيرة كواحد من أكثر الوجوه حضوراً وإثارة للجدل داخل المؤسسة العسكرية السودانية، إذ انتقل من موقع الضابط التقليدي إلى لاعب سياسي مؤثر، تتجاوز تصريحاته حدود الشأن العسكري لتلامس ملفات الحكم والتحالفات والصراع على مستقبل الدولة. وبينما يراه مؤيدوه صوتاً صريحاً يدافع عن الجيش ومؤسسات الدولة، يعتبره منتقدوه أحد رموز الاتجاه الرافض للتحول المدني الديمقراطي، وصاحب خطاب صدامي أسهم في تعميق الاستقطاب السياسي خلال واحدة من أكثر مراحل السودان هشاشة.
مراقبون: اسم العطا ارتبط تدريجياً ببعض التيارات الإسلامية، خاصة تلك التي سعت بعد سقوط البشير إلى استعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة..
صعود داخل المؤسسة العسكرية
ينتمي ياسر العطا إلى جيل من الضباط الذين تدرجوا داخل القوات المسلحة السودانية في ظل حقبة نظام الرئيس المعزول عمر البشير، وهي مرحلة شهدت تداخلاً واسعاً بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية التي حكمت البلاد لعقود. ومع سقوط النظام في 2019، حافظ العطا على موقع متقدم داخل المشهد الجديد، مستفيداً من خبرته العسكرية وشبكة علاقاته داخل الجيش، قبل أن يصبح لاحقاً أحد أعضاء مجلس السيادة الانتقالي، ثم من الشخصيات البارزة في القيادة العسكرية.
تقاطع مع التيارات الإسلامية
يرى مراقبون أن اسم العطا ارتبط تدريجياً ببعض التيارات الإسلامية، خاصة تلك التي سعت بعد سقوط البشير إلى استعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. ويشير محللون إلى أن هذا التقارب لا يعني بالضرورة انتماءً تنظيمياً مباشراً، بقدر ما يعكس تقاطع مصالح بين طرفين: ضابط نافذ يحتاج إلى ظهير سياسي وتنظيمي، وتيارات تسعى إلى العودة عبر بوابة الجيش بعد خسارتها المجال المدني. وتعتبر هذه التيارات أن وجود شخصيات عسكرية ذات موقف متشدد تجاه القوى المدنية يمثل فرصة لإعادة ترتيب المشهد بما يحد من فرص الانتقال الديمقراطي.
من أكثر ما أثار الجدل حول ياسر العطا، تبنيه خطاباً حاداً تجاه الأحزاب السياسية والقوى المدنية، خصوصاً المجموعات التي طالبت بإصلاح المؤسسة العسكرية وإقامة سلطة مدنية كاملة..
خطاب عدائي تجاه القوى المدنية
من أكثر ما أثار الجدل حول ياسر العطا، تبنيه خطاباً حاداً تجاه الأحزاب السياسية والقوى المدنية، خصوصاً المجموعات التي طالبت بإصلاح المؤسسة العسكرية وإقامة سلطة مدنية كاملة. ففي أكثر من مناسبة، وُجهت له انتقادات بسبب تصريحات اعتُبرت تقليلاً من شأن القوى السياسية، أو تشكيكاً في جدوى العمل المدني، أو تحميل الأحزاب مسؤولية الأزمات الوطنية دون الاعتراف بدور العسكر في تعقيد المشهد. ويرى منتقدوه أن هذا الخطاب يعكس رؤية تعتبر السياسة المدنية تهديداً، لا شريكاً في بناء الدولة، وهي الرؤية نفسها التي تبنتها دوائر محافظة داخل النظام السابق.
أداة لإعادة تشكيل المشهد؟
تعتقد قطاعات سياسية أن بعض الفصائل الإسلامية تنظر إلى العطا بوصفه شخصية يمكن الاستثمار فيها لإعادة تشكيل التوازنات السياسية لصالحها، خاصة في ظل الحرب والانهيار المؤسسي. ففي أوقات الصراع، تزداد قيمة الشخصيات العسكرية القادرة على التأثير الميداني والإعلامي، وتصبح أكثر قابلية للتحول إلى مراكز قوة سياسية، وهو ما يجعلها محط تنافس من القوى الباحثة عن موطئ قدم داخل السلطة. ومن هذا المنظور، فإن دعم بعض الإسلاميين للعطا يُقرأ باعتباره دعماً لمشروع أوسع، لا لشخصه فقط.
شخصية صدامية أم رجل مرحلة؟
خصومه يرونه نموذجاً للعسكرة السياسية، حيث يمتزج النفوذ العسكري بالطموح السياسي على حساب المؤسسات. ويقول باحثون إن شخصية العطا تعكس مأزق السودان المزمن: غياب الحدود الواضحة بين دور الجيش في حماية الدولة، ودور السياسيين في إدارة الحكم.
مستقبل الدور السياسي
يبقى مستقبل ياسر العطا مرتبطاً بمآلات الحرب نفسها. فإذا استمرت المواجهة، فقد يتعاظم نفوذ الشخصيات العسكرية المتشددة. أما إذا اتجه السودان نحو تسوية سياسية شاملة، فقد تواجه هذه الشخصيات اختباراً صعباً أمام مطالب الإصلاح المدني وإعادة هيكلة الدولة.
ياسر العطا ليس مجرد ضابط رفيع، بل عنوان لصراع أعمق يدور داخل السودان: صراع بين منطق الدولة المدنية ومنطق الحكم عبر المؤسسة العسكرية، وبين مشروع ديمقراطي متعثر ومحاولات استعادة الماضي بأسماء جديدة. ولهذا، فإن فهم دور العطا لا ينفصل عن فهم المعركة الكبرى على هوية السودان ومستقبله السياسي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.