في السودان، لم تعد الحرب حدثاً عابراً يمكن احتواؤه، بل تحوّلت إلى قدر ثقيل يضغط على صدر البلاد، ويعيد تشكيل حياة الناس بالخوف والجوع والتشرد. ومع كل يوم يمر، يتأكد أن استمرار هذا النزيف لا يرتبط فقط بميزان القوة العسكرية، بل بضعف الجبهة السياسية التي كان يفترض أن تكون صوت العقل وحارس الحياة.
القوى السياسية السودانية، على اختلاف توجهاتها، تقف اليوم أمام لحظة تاريخية لا تقبل التردد. فإما أن تتوحد حول هدف واضح: إيقاف الحرب وإنقاذ الشعب، أو تظل أسيرة خلافاتها، تاركة البلاد لمصير تحدده البنادق وحدها.
ليس المطلوب توافقاً كاملاً حول كل القضايا الكبرى، فذلك ترف لا يملكه السودان الآن. المطلوب حد أدنى من الاتفاق، بسيط في شكله، عظيم في أثره: وقف القتال، حماية المدنيين، فتح الممرات الإنسانية، وبدء عملية سياسية تنهي هذا العبث. هذا الحد الأدنى يمكن أن يشكل أرضية مشتركة، مهما تباينت الرؤى حول المستقبل.
إن مأساة السودان كشفت حقيقة مؤلمة: الانقسام السياسي لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أصبح عاملاً يطيل أمد الحرب. فكلما تفرقت القوى المدنية، ازداد نفوذ دعاة السلاح، وكلما غاب الصوت الموحد، تقدمت المشاريع التي تعيش على الفوضى.
الوحدة هنا ليست شعاراً رومانسياً، بل ضرورة عملية. فالعالم لا يتعامل مع كيانات مشتتة، ولا يدعم مشاريع غامضة. وإذا أرادت القوى السياسية أن تكون طرفاً مؤثراً في أي تسوية، فعليها أولاً أن تثبت قدرتها على توحيد صفوفها، وتقديم رؤية واضحة تمثل تطلعات السودانيين، لا حسابات النخب.
لكن طريق الوحدة ليس سهلاً. فهناك تراكمات من الخلافات، وجراح لم تندمل، وطموحات متضاربة. ومع ذلك، فإن حجم الكارثة الحالية أكبر من كل هذه العقبات. فالوطن الذي ينهار لا ينتظر أن يتفق الجميع، بل يحتاج إلى من يقدّم التنازل من أجل بقائه.
السودانيون اليوم لا يسألون من سيحكم، بل كيف يعيشون. لا يسألون عن شكل النظام، بل عن حقهم في الأمان والغذاء والدواء. هذه الأسئلة البسيطة يجب أن تكون البوصلة التي توجه القوى السياسية نحو ما هو أهم: إنقاذ الإنسان أولاً، ثم التنافس لاحقاً في ساحات السياسة السلمية.
لقد أثبتت التجربة أن السلاح لا يبني دولة، وأن الانتصار العسكري، إن تحقق، لا يصنع استقراراً دائماً. وحدها السياسة، حين تتوحد على مصلحة الناس، قادرة على فتح باب السلام.
السودان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار. قرار بأن تتوقف النخب عن إدارة خلافاتها على حساب الشعب، وأن تدرك أن التاريخ لا يذكر من انتصر على خصومه، بل من أنقذ وطنه.
فإذا توحدت القوى السياسية، ولو على الحد الأدنى، يمكن للحرب أن تتراجع. أما إذا استمر التشرذم، فإن السودان سيدفع الثمن أكثر… وربما يفقد ما تبقى منه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.