الحركة الإسلامية السودانية: أزمة سلطة أم أزمة فكرة وأخلاق ؟

عبدالحافظ سعد الطيب

المسألة الجوهرية في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية ليست تعدد الأسماء، بل غياب المراجعة الفكرية الحقيقية رغم سلسلة الانهيارات السياسية والتنظيمية والأخلاقية.
من “حركة التحرير الإسلامي” إلى “الإخوان المسلمين”، ثم “جبهة الميثاق”، فـ“الجبهة الإسلامية القومية”، ثم “المؤتمر الوطني” و“المؤتمر الشعبي”، ظلّ الهيكل يتغير بينما العقل التنظيمي نفسه بقي ثابتاً: عقل السلطة، لا عقل المراجعة.
هذه ليست “مراحل تطور” كما تحاول أدبيات الحركة تصويرها، بل سلسلة انتقالات من أزمة إلى أخرى، ومن انقسام إلى آخر، دون مساءلة حقيقية للبنية الفكرية التي أنتجت الفشل.
▪ الجذور الأولى: قبل الترابي وقبل جبهة الميثاق
الحركة الإسلامية في السودان لم تبدأ بـ “جبهة الميثاق الإسلامي”، بل سبقتها مسميات وتنظيمات أخرى منذ الأربعينيات، وكان لها قادة بارزون قبل ظهور الدكتور حسن عبد الله الترابي على رأس المشهد بعد ثورة أكتوبر 1964.
المسميات السابقة (ما قبل 1964)
حركة التحرير الإسلامي (1949): تُعد النواة الأولى والمنظمة التي انطلقت من داخل الجامعات والمدارس الثانوية، متأثرة بفكر الإخوان المسلمين في مصر.
الحزب الاشتراكي الإسلامي (1949-1954): برز كنشاط طلابي لمواجهة المد الشيوعي في ذلك الوقت، ولم يكن له ارتباط تنظيمي مباشر بمصر في بداياته، لكنه اعتمد الفكر الإسلامي كمنهج.
جماعة الإخوان المسلمين (1954-1964): بعد مؤتمر جامع في عام 1954، توحدت المجموعات الإسلامية تحت هذا المسمى الرسمي، واستمرت كجماعة دعوية وتنظيمية حتى قيام ثورة أكتوبر.
أبرز القادة قبل الترابي
قبل أن يتولى الترابي الأمانة العامة لجبهة الميثاق في نوفمبر 1964، قاد الحركة شخصيات أسست للعمل التنظيمي، منها:
بابكر عبد الله كرار
محمد الخير عبد القادر
جمال الدين السنهوري
الرشيد الطاهر بكر
محمد صالح عمر
▪ الانقسامات: سياسية سلطوية لا فكرية
أخطر ما يلفت النظر في كل انشقاقات الحركة الإسلامية السودانية أنها لم تُنتج وثيقة فكرية عميقة تشرح طبيعة الخلافات.
لم يظهر تيار يقول مثلاً:
▪ نحن نختلف حول مفهوم الدولة.
▪ أو حول علاقة الدين بالسلطة.
▪ أو حول الديمقراطية.
▪ أو حول مفهوم الحاكمية.
▪ أو حول الاقتصاد الإسلامي.
▪ أو حول استخدام العنف والتنظيم السري.
كل ما ظهر عملياً كان صراعاً على النفوذ ومراكز القرار و.السلطة
▪ حتى مفاصلة 1999 الشهيرة بين الترابي والبشير لم تكن صداماً بين مشروعين فكريين، بل صدام داخل مركز السلطة نفسه:
من يحكم؟ ومن يملك القرار الأمني والتنظيمي والسياسي؟
ولهذا خرج الطرفان من المفاصلة بنفس العقل السياسي تقريباً، وبنفس البنية التنظيمية، وبنفس الإرث الفكري.
💢 انشقاق الإخوان المسلمين عن جناح الترابي
هذا الانشقاق لم يكن لحظة واحدة بل سلسلة من التباينات.
البداية (1969)
بعد انتخاب الترابي أميناً عاماً، انشقت مجموعة من الرواد احتجاجاً على أطروحاته التجديدية التي رأوها مخالفة لنهج الإخوان التقليدي، ومن أبرزهم:
جعفر شيخ إدريس
محمد صالح عمر
المفاصلة التنظيمية (1985)
بعد سقوط نظام النميري، أسس الترابي الجبهة الإسلامية القومية ككيان سياسي واسع.
هنا قرر تيار “الإخوان المسلمين” بقيادة:
▪ صادق عبد الله عبد الماجد
▪ الحبر يوسف نور الدائم
التمسك بالمسمى التاريخي والارتباط بالتنظيم الدولي، رافضين ذوبان الجماعة في كيان الترابي الجديد.
لكن حتى هؤلاء لم يقدموا تفسيراً فكرياً عميقاً لطبيعة الخلاف، وظلت أغلب التفسيرات تدور حول قضايا تنظيمية وشخصية وأسلوب إدارة الحركة.
مفاصلة 1999: السلطة تلتهم أبناءها
💢 تُعد مفاصلة 1999 الانقسام الأعمق والأشهر في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية.
السبب
صراع على السلطة والصلاحيات بين:
▪ حسن عبد الله الترابي
▪ عمر حسن أحمد البشير
ومع البشير مجموعة من تلاميذ الترابي أبرزهم:
▪ علي عثمان محمد طه
النتيجة
أصدر البشير قرارات “الرابع من رمضان” التي حل بموجبها البرلمان وأقصى الترابي من السلطة.
المخرجات
انقسمت الحركة إلى حزبين:
▪ المؤتمر الوطني.
▪ المؤتمر الشعبي.
لكن الانقسام لم ينتج مراجعة فكرية حقيقية، بل أعاد توزيع مراكز النفوذ داخل المشروع نفسه.
💢 اعتراف الترابي الأخطر
أهم ما قاله الدكتور حسن عبد الله الترابي في مراجعاته وشهاداته، خصوصاً في برنامج شاهد على العصر، ليس كشفه لصراعات التنظيم، ولا حديثه عن الأمن والانقلابات، والاغتيالات والقتل التصفيات والفساد والسرقة بل اعترافه الخطير بأنهم “لا يصلحون حتى للدعوة الإسلامية”.
هذه العبارة ليست انفعالاً عابراً، بل اعتراف عميق بانهيار النموذج نفسه.
لكن الترابي توقف عند حدود الاعتراف ولم يذهب إلى الجذر الحقيقي للسؤال:

💢 لماذا لا يصلحون للدعوة؟
لأن التنظيم منذ بداياته لم يكن دعوياً خالصاً، بل كان مشروعاً سياسياً يبحث عن الدولة باعتبارها أداة للتمكين العقائدي والاجتماعي.
الدعوة عنده لم تكن غاية مستقلة، بل جزءاً من مشروع السيطرة على المجتمع والدولة.
وحين يصل تنظيم بهذه العقلية إلى السلطة، تتحول الدعوة إلى جهاز تعبئة، ويتحول الدين إلى أداة شرعنة سياسية، ويتحول التنظيم إلى طبقة حاكمة مغلقة.
▪ صراع “التجديد”: ماذا كانوا يقصدون فعلاً؟
التيار الإسلامي ظل يتحدث لعقود عن “تجديد الخطاب الإسلامي”، لكن الأزمة أن المصطلح نفسه كان ملتبساً ومراوغاً.
▪ هم عملياً لم يقصدوا تجديد الدين، لأنهم يعتبرون ذلك خطاً أحمر.
بل كانوا يقصدون:
تجديد أدوات الدعوة،
تحديث أساليب الخطاب،
تحسين صورة الإسلاميين،
إعادة تسويق المشروع الإسلامي بعد الأزمات.والفشل
أي أن التجديد كان شكلياً وإجرائياً أكثر منه مراجعة فكرية حقيقية.
ولهذا حين وقعت الكوارث الكبرى — الحرب، الفساد، الاستبداد، انهيار الدولة، انفصال الجنوب، عسكرة المجتمع — لم تظهر مراجعات فقهية وسياسية جذرية تسأل:
هل فكرة “التمكين” نفسها خاطئة؟
هل تحويل الدين إلى مشروع دولة أفسد الدين والسياسة معاً؟
هل التنظيم المغلق بطبيعته ينتج الاستبداد؟
هل استخدام المقدس في الصراع السياسي أدى إلى تدمير المجال العام؟
هذه الأسئلة لم تُطرح بجدية، لأن التنظيم كان يخشى أن تؤدي المراجعة الحقيقية إلى انهيار شرعيته التاريخية بالكامل.
💢 التنظيم المغلق: كيف صنعت الحركة الإسلامية قطيعاً تنظيمياً لا تياراً فكرياً؟
أزمة الحركة الإسلامية السودانية لم تكن فقط في السلطة حين وصلت للحكم، بل في طبيعة تكوينها الداخلي منذ البداية.
فالتنظيم نفسه تأسس على بنية استبعادية واستبدادية، لا تنتج عقلاً حراً بل عضواً منضبطاً بل مقهورا بل مهدر داخل هرم الطاعة.
ولهذا، بعد عقود طويلة من النشاط السياسي والدعوي والتنظيمي، يصعب العثور على مدرسة فكرية إسلامية سودانية حقيقية أنتجت:
فلاسفة،
علماء اجتماع،
مفكرين نقديين،
أو تياراً معرفياً مستقلاً.
ما أنتجته الحركة في الغالب كان:
كوادر تنظيم،
خطباء تعبئة،
إداريي سلطة،
وأجهزة ولاء.
من “الأخ” إلى “العضو المنضبط”ومنفذي العمليات القذرة
التنظيم الإسلامي الحديث، خصوصاً بصيغته الإخوانية، قام على فكرة “التربية التنظيمية” لا التربية الفكرية الحرة.
الهدف لم يكن إنتاج فرد يسأل ويشكك ويناقش، بل إنتاج “أخ ملتزم”:
يسمع،
يطيع،يتفذ
يثق في القيادة،
ويتعامل مع التنظيم باعتباره جماعة النجاة.
ومن هنا نشأت عقلية الانغلاق: المجتمع في الخارج “جاهلي”، الثقافة الحديثة “غزو فكري”، النقد “تشكيك”، والاختلاف “فتنة”.
هذه البيئة لا تنتج مثقفاً، بل تنتج فرداً خائفاً من التفكير خارج السقف التنظيمي.
ثقافة الكاسيت: المعرفة المعلبة
الحركة الإسلامية العربية والسودانية اعتمدت لعقود على ثقافة التلقين:
أشرطة الكاسيت،
الخطب الحماسية،
الكتب المؤدلجة،
الملخصات التنظيمية،
والنصوص التعبوية.
كان سيد قطب بالنسبة لكثير من الإسلاميين ليس مجرد مفكر، بل مرجعية وجدانية وتنظيمية شبه مغلقة.
ومع الزمن تحولت نصوصه إلى عدسات يُقرأ بها العالم كله، رغم أن الواقع كان يتغير بوتيرة هائلة:
الدولة الحديثة تعقدت،
الاقتصاد تغير،
المجتمع تبدل،
التكنولوجيا أعادت تشكيل الإنسان نفسه،
بينما ظل جزء كبير من الإسلاميين يعيش داخل خطاب خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
ولهذا اصطدموا بالواقع.
الخوف من المجتمع
أحد أخطر ما رسخته التربية التنظيمية هو فكرة “الاستعلاء المعنوي” المصحوب بالخوف.والقهر والهدر
التنظيم كان يربي عضويته على أنهم:
الصف المؤمن،
الطليعة،
الجماعة المختارة.
لكن في العمق كان هناك خوف دائم من المجتمع:
خوف من الاختلاط الفكري،
خوف من الثقافة،
خوف من الفنون،
خوف من الفلسفة،
خوف من النقد.
ولهذا فضّل التنظيم الانغلاق الداخلي: الأسرة، المعسكر، الحلقات، البيعة، والتربية المغلقة.
ومع الزمن صار التنظيم عالماً موازياً للمجتمع، لا جزءاً طبيعياً منه.
لماذا أصبح المنفلت فكرياً عدواً؟
أي عضو يبدأ في التفكير خارج القوالب الجاهزة يتحول سريعاً إلى خطر داخلي.
لأن التنظيم المغلق لا يحتمل الفرد المستقل.
ولهذا كل من حاول الخروج من الطاعة الفكرية وقراءة التجربة نقدياً تعرض للعزل أو التخوين أو التشويه.
أصوات خرجت من داخل التنظيم: مراجعات جزئية لا قطيعة فكرية كاملة
رغم الطبيعة المغلقة للحركة الإسلامية السودانية، برزت من داخلها أسماء حاولت تقديم مراجعات نقدية لتجربة الإسلاميين، خصوصاً بعد صدمة السلطة والحرب والانهيار السياسي والأخلاقي الذي أصاب المشروع كله.
ومن أبرز هذه الأسماء:
▪ المحبوب عبد السلام
▪ خالد التجاني النور
▪ التجاني عبد القادر حامد
▪ الطيب زين العابدين
هؤلاء الأربعة مثّلوا، بدرجات متفاوتة، تياراً حاول مساءلة تجربة الحركة الإسلامية السودانية من داخل البيت الإسلامي نفسه، لا من خارجه فقط.
وقد انشغلوا بقضايا:
الاستبداد التنظيمي،
أزمة السلطة،
فساد التمكين،
غياب الشورى،
وتحول المشروع الإسلامي إلى جهاز دولة وأمن ومصالح.
كما ارتبط بهذا الجيل النقدي أيضاً عدد من الأسماء التي قدمت مساهمات فكرية وسياسية مهمة، مثل:
▪ عبد الوهاب الأفندي
▪ فتح العليم عبد الحي
▪ حسن مكي

لكن، وللأمانة الفكرية، فإن أغلب هذه المراجعات — رغم أهميتها — لم تصل إلى تفكيك الجذر الديني والفكري العميق للمشروع الإسلامي نفسه.
لقد ركز كثير منها على:
سوء التطبيق،
أخطاء السلطة،
انحراف التجربة،
أو فساد الممارسة السياسية،
أكثر من تركيزها على نقد البنية النظرية التي أنتجت فكرة:
التنظيم العقائدي المغلق،
احتكار الحقيقة،
التمكين،
ودمج الدعوة بالدولة.
بمعنى آخر:
كثير من هذه المراجعات انتقدت “ما فعله الإسلاميون”، لكنها لم تذهب بالكامل إلى مساءلة “الفكرة المؤسسة” ذاتها.
هل كان فشل التنظيم أزمة في الأشخاص والشيوخ… أم في الفكرة نفسها؟
هنا يقف السؤال الأخطر الذي ظل مؤجلاً داخل الحركة الإسلامية السودانية طوال عقود.
هل كانت الأزمة فقط في:
الترابي،
البشير،
علي عثمان،
القيادات،
الشيوخ،
والتنفيذ البشري؟
أم أن الأزمة كامنة في الفكرة نفسها منذ البداية؟
أي:
فكرة التنظيم المغلق،
وفكرة الطليعة المؤمنة،
وفكرة احتكار التفسير الديني،
وفكرة التمكين،
وفكرة استخدام الدولة لفرض المشروع الأخلاقي والسياسي.
هذا السؤال تحديداً هو ما ظلت أغلب المراجعات تخشى الاقتراب الكامل منه، لأن الاقتراب منه لا يعني نقد تجربة حكم فقط، بل يعني مراجعة الأساس الفكري الذي قامت عليه الحركة الإسلامية الحديثة كلها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.