حين يتحول القتلة إلى وعّاظ… فضيحة “التربية الإيمانية” في كتيبة البراء بن مالك

حسن عبد الرضي

أيُّ دينٍ هذا الذي يُشهر السكين في وجه المدنيين، ثم يرفع المصحف ليغسل به الدم؟ وأيُّ قرآنٍ هذا الذي يُستدعى لتغطية جرائم القتل والتصفية والإرهاب؟ وأيُّ تربيةٍ إيمانيةٍ تلك التي تعفو عن تاجر السلاح، وتُصدر أحكام الموت على النساء والفقراء وباعة “التمباك” والشباب العُزّل؟ لقد بلغ الانحطاط الأخلاقي عند جماعة البراء بن مالك حدًّا يجعل الإنسان يقف مذهولًا أمام هذا القدر من التناقض، وهذا المستوى من المتاجرة بالدين. فهذه الجماعة التي مارست الرعب في الجزيرة وسنار وغيرها، وقتلت الناس بالشبهة، وأدارت حملات تصفية دموية تحت شعار “التعاون مع الدعم السريع”، تريد اليوم أن تقدم نفسها كمدرسةٍ للإيمان والتزكية!
امرأةٌ مذعورة، تحت تهديد السلاح، تعطي كوب ماء لمسلحٍ اقتحم منطقتها، فتُتَّهم بالخيانة ويُسلَّط عليها سيف “العدالة الداعشية”.
شابٌ بسيط يعمل في بيع “التمباك”، يُقتل بدمٍ بارد لأن مزاج أحد المتطرفين قرر أنه “غير وطني”. شبابٌ في مقتبل العمر يُذبحون، ويُلقى بعضهم في النيل، بلا محاكم، بلا قانون، بلا رحمة، فقط لأن آلة الكراهية احتاجت إلى ضحايا جدد.
لكن حين يُتَّهم أحد قادتهم ببيع الذخيرة والتخابر مع العدو الاول، الدعم السريع وتسريب ما يهدد أرواح الناس ومستقبل البلاد له، تتحول العقوبة فجأة إلى “خلوة إيمانية” و”حفظ قرآن” و”مراجعة للنفس”! يا للمهزلة. أيُّ استخفاف بعقول السودانيين هذا؟ وهل صار القرآن الكريم مؤسسةً لإخفاء الجرائم وغسل الفضائح؟ وهل أصبحت خلاوي همشكوريب مكانًا لتبييض ملفات المتورطين بدل تقديمهم لمحاكمات عادلة أمام الشعب؟
المصباح أبو زيد طلحة لم يكتفِ بالتستر على أحد منسوبيه، بل خرج ببيانٍ متخمٍ بالنفاق الوعظي، يتحدث فيه عن “الإصلاح” و”التزكية” و”إحياء القلب”، وكأننا أمام جمعية دعوية لا أمام جماعة ارتبط اسمها بالرعب والتصفيات والانتهاكات. إن أخطر ما تفعله هذه الجماعات المتطرفة ليس القتل فقط، بل تلويث الدين نفسه. فهي تستخدم القرآن ستارًا، وتستخدم الذكر غطاءً، وتستخدم لغة الإيمان لتبرير أفعالٍ لو عُرضت على أبسط قيم الإنسانية لرفضتها الفطرة السليمة. الدين الذي يحفظ الدماء ليس دينًا يُعدم امرأةً لأنها خافت من مسلح. الدين الذي يحترم الإنسان لا يذبح الشباب ثم يتحدث عن “صفاء الروح”. الدين الذي يعرف العدل لا يحوّل جريمة بيع السلاح إلى رحلة “تربوية” في الخلاوي. الأولوية في الإسلام ليست حفظ صورة التنظيم، بل حفظ النفس البشرية. {مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ نَفسٍ أَو فَسادٍ فِي الأَرضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَميعًا}. لكن جماعات التطرف السياسي والديني لا ترى في الناس إلا وقودًا لمعاركها، ولا ترى في الدين إلا أداة تعبئة وتبرير.
لقد آن للشعب السوداني أن يفتح عينيه جيدًا. فهؤلاء ليسوا حماة دين، ولا دعاة أخلاق، ولا أهل تربية وإصلاح. هؤلاء جماعات مسلحة تتقن استخدام الخطاب الديني لتبرير العنف، وتتعامل بازدواجية فاضحة: قسوةٌ ووحشية على المدنيين والضعفاء، وتساهلٌ وتغطيةٌ حين يتعلق الأمر بأبنائهم وقادتهم. وحين يصبح “حفظ القرآن” عقوبةً بديلةً عن المحاسبة على جرائم السلاح والدم، فإن القضية لم تعد قضية انحراف أفراد، بل انهيار منظومة كاملة تدّعي التدين بينما تمارس نقيضه. وسيبقى السؤال الذي يطاردهم مهما احتموا بالشعارات: من الذي يحتاج فعلًا إلى مراجعة نفسه؟ المرأة التي أعطت كوب ماء خوفًا من الموت، أم الذين جعلوا من السودان ساحةً للدم والذبح باسم الله؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.