البرهان بين العفو والقصاص.. خطاب جديد يثير الجدل

تقرير: عين الحقيقة

أثار التحول الأخير في خطاب رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بشأن المنشقين عن قوات الدعم السريع، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية وبين الناشطين، بعد أن بدا متراجعاً عن تعهدات سابقة بالعفو عن كل من يترك القتال وينضم إلى صفوف الجيش، ليضع مصير هؤلاء بيد «الشعب والقضاء»، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة للتنصل من تبعات التسويات العسكرية والسياسية التي فرضتها الحرب.

 

وكان البرهان قد أعلن، في أكثر من مناسبة سابقة، استعداده لاستقبال كل من «يتخلى عن التمرد» ويعود إلى «حضن الوطن»، بحسب تعبيره، متحدثاً بلغة تصالحية هدفت—وفق مراقبين—إلى تشجيع الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع وتقليص قدراتها الميدانية. غير أن الخطاب الأخير حمل نبرة مختلفة؛ إذ أكد أن من تورطوا في انتهاكات وجرائم لن تشملهم أي حماية سياسية أو عسكرية، وأن الفصل في أمرهم سيكون عبر القضاء وإرادة المواطنين المتضررين.

 

ويأتي هذا التحول بالتزامن مع الجدل الذي أعقب انضمام القائد الميداني بالدعم السريع، المعروف بـ«النور القبة»، إلى القوات المتحالفة مع الجيش؛ وهي الخطوة التي فجّرت موجة انتقادات حادة داخل دوائر محسوبة على الحركة الإسلامية وناشطين موالين للجيش، طالبوا بعدم تجاوز الاتهامات المتعلقة بانتهاكات واسعة شهدتها مدينة الفاشر خلال فترة سيطرة الدعم السريع على أجزاء منها.

 

وتداول ناشطون على نطاق واسع اتهامات للنور القبة بالتورط في عمليات قتل ونهب واستهداف للمدنيين داخل أحياء الفاشر، قبل أن تتمكن قوات تحالف «تأسيس» من السيطرة على المدينة بعد معارك عنيفة.

 

واعتبر كثيرون أن أي محاولة لإعادة تدوير قادة ميدانيين متهمين بانتهاكات، تحت مبررات «التوبة العسكرية» أو «الانشقاق»، تمثل تهديداً لمسار العدالة، وتفتح الباب أمام الإفلات من العقاب.

 

في المقابل، يرى مراقبون أن حالة النور القبة كشفت حجم التباين داخل المعسكر الداعم للجيش، بين تيار براغماتي يرحب بأي انشقاقات من شأنها إضعاف الدعم السريع، وآخر محسوب على الحركة الإسلامية يرفض استيعاب شخصيات ارتبط اسمها بانتهاكات ضد المدنيين، خشية أن يؤدي ذلك إلى فقدان الحاضنة الشعبية وتآكل الخطاب الأخلاقي للحرب.

 

ويرى محللون أن البرهان يحاول، من خلال تصريحاته الأخيرة، تحقيق توازن معقد بين الحاجة العسكرية لاستقطاب مقاتلين من الطرف الآخر، وبين الضغوط الشعبية المتزايدة المطالِبة بمحاسبة جميع المتورطين في جرائم الحرب والانتهاكات، خصوصاً في مدن دارفور التي دفعت ثمناً باهظاً للصراع المستمر.

ويقول متابعون إن إحالة ملف «المنشقين» إلى القضاء والرأي العام، بدلاً من منحهم عفواً سياسياً مباشراً، تعكس إدراكاً متزايداً لحساسية المرحلة، في ظل تنامي الأصوات الرافضة لأي تسويات تتجاوز حقوق الضحايا أو تمنح حصانات غير معلنة لقادة ميدانيين متهمين بارتكاب تجاوزات عادوا للاحتماء في صفوف الجيش.

ومع استمرار الحرب وتعقّد المشهدين العسكري والسياسي، يبقى ملف العدالة والمحاسبة أحد أكثر القضايا حساسية في السودان، وسط تساؤلات متزايدة حول إمكانية تحقيق توازن بين ضرورات الحرب ومتطلبات العدالة الانتقالية، دون أن يتحول العفو السياسي إلى غطاء لإفلات المتهمين من العقاب. وبين هذا وذاك، يبدو أن البرهان يحاول المناورة بين ضغوط متباينة داخل معسكره السياسي والعسكري.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.