من وعود “النهضة” إلى اقتصاد الحرب: كيف أهدرت سنوات الحكم موارد السودان؟

تقرير: عين الحقيقة

حين وصل الإسلاميون إلى السلطة في السودان عام 1989، رفعوا شعارات تقوم على تحقيق النهضة الاقتصادية والاكتفاء الذاتي وبناء دولة قوية تعتمد على مواردها الضخمة. لكن بعد ثلاثة عقود من الحكم، وجد السودان نفسه أمام اقتصاد منهك، ومؤسسات ضعيفة، وأزمات معيشية متلاحقة، رغم ما يمتلكه من إمكانات زراعية ومعدنية ونفطية هائلة. ويرى اقتصاديون ومراقبون أن أحد أبرز أسباب هذا التدهور كان تحول الدولة تدريجيًا إلى نموذج يقوم على “اقتصاد الحرب”، حيث أُعيد توجيه الموارد والثروات لخدمة بقاء السلطة وتعزيز القبضة الأمنية، بدلًا من الاستثمار في التنمية والإنتاج.

تقارير اقتصادية وتحليلات محلية ودولية أشارت إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه العائدات وُجه نحو الإنفاق الأمني والعسكري، في ظل الحروب الداخلية التي شهدتها البلاد..

السودان… بلد غني بإمكانات هائلة
يُعد السودان من أكثر الدول الإفريقية امتلاكًا للموارد الطبيعية. فهو يضم ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، إضافة إلى ثروات كبيرة من النفط والذهب والثروة الحيوانية والمعادن المتنوعة. وكانت التوقعات خلال تسعينيات القرن الماضي تشير إلى إمكانية تحول السودان إلى قوة اقتصادية إقليمية، خصوصًا بعد تصدير النفط وارتفاع عائدات الموارد الطبيعية. غير أن هذه الإمكانات، بحسب خبراء، لم تُترجم إلى تنمية حقيقية أو تحسن مستدام في مستوى معيشة المواطنين.
النفط والذهب… ثروات خارج التنمية
مع بداية تصدير النفط في نهاية التسعينيات، دخلت إلى السودان عائدات مالية ضخمة كان يُفترض أن تُستخدم لتطوير البنية التحتية والتعليم والصحة والزراعة. لكن تقارير اقتصادية وتحليلات محلية ودولية أشارت إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه العائدات وُجه نحو الإنفاق الأمني والعسكري، في ظل الحروب الداخلية التي شهدتها البلاد. وبعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان معظم حقول النفط، اتجهت الدولة بشكل متزايد نحو الذهب كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية، إلا أن قطاع التعدين نفسه واجه اتهامات بالفساد وضعف الشفافية وتهريب الموارد.
اقتصاد قائم على الولاءات
يرى محللون أن النظام السابق اعتمد بصورة واسعة على شبكات المصالح والولاءات السياسية للحفاظ على استمراره، حيث تم توظيف الموارد الاقتصادية لتعزيز النفوذ داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. وشمل ذلك، بحسب مراقبين، منح امتيازات اقتصادية لشخصيات وشركات مرتبطة بالنظام، إضافة إلى التوسع في الاقتصاد الموازي الذي كان يعمل خارج الرقابة المؤسسية التقليدية. هذا النمط، وفق خبراء، أضعف المنافسة العادلة وأثر على بيئة الاستثمار والإنتاج الحقيقي.
تراجع الزراعة رغم الإمكانات الضخمة
رغم امتلاك السودان واحدًا من أكبر الاحتياطيات الزراعية في إفريقيا، شهد القطاع الزراعي تراجعًا ملحوظًا خلال العقود الماضية. ويُرجع مختصون ذلك إلى ضعف التخطيط، وغياب الاستثمار المستدام، وتدهور البنية التحتية، إلى جانب تأثير الحروب والنزاعات على مناطق الإنتاج.
كما أدى التركيز على الموارد السريعة مثل النفط والذهب إلى إهمال قطاعات إنتاجية أساسية كان يمكن أن توفر استقرارًا اقتصاديًا طويل الأمد.

قتصاديون: استمرار الحروب استنزف الموارد العامة، وأدى إلى تحويل جزء كبير من الإنفاق نحو الجوانب العسكرية، على حساب الخدمات الأساسية والتنمية..

الفساد كأزمة هيكلية
خلال سنوات الحكم الطويلة، تحوّل الفساد—بحسب مراقبين—من ممارسات فردية إلى أزمة هيكلية مرتبطة بطبيعة إدارة الدولة والاقتصاد. وتحدثت تقارير دولية مرارًا عن غياب الشفافية وضعف الرقابة على المال العام، إضافة إلى توسع نفوذ شبكات اقتصادية مرتبطة بالسلطة السياسية. ويرى خبراء أن هذا الواقع ساهم في تآكل مؤسسات الدولة وإضعاف الثقة في الاقتصاد الوطني.
اقتصاد الحرب… الأولوية للأمن لا للتنمية
مع تصاعد النزاعات الداخلية في دارفور وجنوب كردفان ومناطق أخرى، أصبحت الأولوية الاقتصادية مرتبطة بتمويل العمليات الأمنية والعسكرية، بحسب محللين. ويؤكد اقتصاديون أن استمرار الحروب استنزف الموارد العامة، وأدى إلى تحويل جزء كبير من الإنفاق نحو الجوانب العسكرية، على حساب الخدمات الأساسية والتنمية. كما ساهمت العقوبات الدولية والعزلة السياسية في تعميق الأزمة الاقتصادية وزيادة الضغوط على المواطنين.
المواطن يدفع الثمن
بينما كانت الموارد تتدفق إلى شبكات النفوذ والإنفاق الأمني، واجه المواطن السوداني تدهورًا مستمرًا في الخدمات الأساسية، وارتفاعًا في معدلات الفقر والتضخم والبطالة. وأدى الانهيار الاقتصادي المتراكم إلى موجات احتجاج واسعة، بلغت ذروتها في ثورة ديسمبر 2019 التي أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير. لكن آثار الأزمة الاقتصادية لا تزال مستمرة حتى اليوم، في ظل الحرب الحالية والانهيار المتواصل لمؤسسات الدولة.
هل يمكن إعادة بناء الاقتصاد السوداني؟
يرى خبراء أن السودان لا يزال يمتلك مقومات النهوض الاقتصادي، لكن ذلك يتطلب إصلاحات عميقة تشمل تعزيز الشفافية، وإعادة بناء المؤسسات، وإنهاء اقتصاد الحرب، واستعادة الثقة في الدولة. كما يؤكد مختصون أن أي عملية تعافٍ اقتصادي لن تنجح دون استقرار سياسي وأمني حقيقي، يتيح توجيه الموارد نحو التنمية بدلًا من الصراع.
تكشف تجربة العقود الماضية في السودان كيف يمكن للثروات الضخمة أن تتحول من فرصة للنهوض إلى عامل إضافي في تعميق الأزمات، عندما تُدار الدولة بمنطق الولاءات والصراع بدلًا من التنمية والمؤسسات. وبين اقتصاد الحرب وفساد السلطة، خسر السودان سنوات طويلة من الإمكانات الضائعة… بينما ظل المواطن يدفع الكلفة الأكبر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.