لم يسقط السودان في أزماته الحالية فجأة، ولم تكن الحرب التي تمزق البلاد اليوم معزولة عن تراكمات طويلة صنعتها سنوات الحكم الإخواني تحت ما سُمّي بـ«المشروع الحضاري». فالحقيقة التي يصعب تجاوزها أن تجربة الإنقاذ لم تفشل فقط سياسيًا، بل فشلت أخلاقيًا وتنمويًا وإنسانيًا، بعدما حوّلت الدولة من مشروع وطني جامع إلى أداة لخدمة تنظيم وأيديولوجيا ضيقة.
منذ انقلاب عام 1989، لم يكن هدف السلطة الجديدة بناء دولة حديثة تقوم على الكفاءة والمؤسسات، بل تمكين جماعة بعينها من السيطرة على مفاصل البلاد السياسية والاقتصادية والأمنية. وهنا بدأت الكارثة الحقيقية: تغليب الولاء الأيديولوجي على المصلحة الوطنية، وتحويل السودان إلى ساحة مغلقة تديرها شبكات النفوذ والمصالح.
خلال ثلاثة عقود، امتلك السودان كل ما يمكن أن يؤهله ليكون قوة اقتصادية في إفريقيا والمنطقة: أراضٍ زراعية شاسعة، ثروات نفطية، احتياطات ذهب هائلة، وثروة حيوانية ضخمة. لكن بدلاً من توظيف هذه الموارد لبناء اقتصاد منتج وتحسين حياة الناس، جرى تسخيرها لتمويل الأجهزة الأمنية، وشراء الولاءات، وبناء طبقة طفيلية ارتبطت ببقاء النظام أكثر من ارتباطها بمصلحة الوطن.
ظهرت في تلك المرحلة طبقة من “الرأسمالية الطفيلية” التي راكمت الثروات عبر الامتيازات والاحتكار والفساد، بينما كان المواطن السوداني يزداد فقرًا عامًا بعد عام. كانت عائدات النفط والذهب تتدفق، لكن القرى ظلت بلا خدمات، والمزارعون بلا دعم، والشباب بلا وظائف، والبلاد تغرق أكثر في الديون والانقسامات.
في المقابل، تم إضعاف مؤسسات الدولة لصالح شبكات الولاء. الخدمة المدنية فقدت استقلالها، والنقابات جرى تفكيكها، والجيش نفسه لم يسلم من التسييس والتمكين. ومع اتساع دائرة الفساد، أصبح الانتماء السياسي أقصر الطرق إلى النفوذ والثروة، بينما تراجعت معايير الكفاءة والعدالة.
كل ذلك صنع بيئة انفجرت لاحقًا في احتجاجات شعبية واسعة، لم تكن مجرد أزمة معيشية عابرة، بل تعبيرًا عن غضب عميق تجاه نموذج حكم كامل. خرج السودانيون في ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، لأنهم أدركوا أن الأزمة ليست في الأشخاص فقط، بل في المنهج الذي حوّل الدولة إلى غنيمة.
لكن ما حدث بعد سقوط البشير كشف أن جذور الأزمة كانت أعمق بكثير. فشبكات النفوذ التي تشكلت خلال سنوات الإنقاذ لم تختفِ، بل أعادت تموضعها داخل مؤسسات الدولة، واستمرت في التأثير على المشهد السياسي والعسكري. ومع تعثر الانتقال المدني، عاد السودان إلى دوامة الصراع، ليجد المواطن نفسه مرة أخرى بين الحرب والفقر والنزوح.
اليوم، يدفع السودانيون ثمن عقود من إدارة الدولة بمنطق التمكين لا التنمية، وبعقلية التنظيم لا الوطن. ملايين النازحين واللاجئين، والانهيار الاقتصادي، وغياب الاستقرار، ليست أحداثًا منفصلة، بل نتائج مباشرة لمسار طويل من إهدار الموارد وإضعاف المؤسسات.
إن أخطر ما فعلته تجربة الإنقاذ أنها لم تكتفِ بإفقار الناس، بل أضعفت فكرة الدولة نفسها. وحين تنهار الثقة في الدولة، يصبح الوطن كله مهددًا بالتشظي.
ولهذا، فإن مستقبل السودان لن يُبنى فقط بإيقاف الحرب، بل بإغلاق الصفحة التي جعلت السلطة هدفًا فوق الوطن، والثروة أداة للنفوذ، والدولة مجرد وسيلة لحماية المصالح التنظيمية. لأن الشعوب قد تتحمل الفقر سنوات، لكنها لا تستطيع العيش إلى الأبد داخل دولة تُدار ضد مواطنيها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.