مشروع الجزيرة… كيف تحول “سلة غذاء السودان” إلى ضحية للصراع والتمكين؟

سيف الدولة كمال

لم يكن انهيار مشروع الجزيرة مجرد أزمة زراعية عابرة، بل كان أحد أكثر المشاهد تعبيرًا عن التحولات العميقة التي عاشها السودان خلال العقود الماضية. فهذا المشروع، الذي شكّل لعقود طويلة العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومصدرًا رئيسيًا للإنتاج الزراعي والصادرات، انتهى إلى واقع من التدهور والإهمال، في وقت كانت البلاد تمتلك كل المقومات لتكون قوة زراعية كبرى في المنطقة.

منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي، مثّل مشروع الجزيرة نموذجًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا. فقد وفر فرص العمل لمئات الآلاف من الأسر، وربط بين الزراعة والصناعة والخدمات، وأسهم في بناء طبقة وسطى نشطة داخل المجتمع السوداني. كما لعب دورًا رئيسيًا في دعم صادرات القطن والمحاصيل الزراعية، وجعل السودان حاضرًا في الأسواق العالمية كمصدر مهم للغذاء والمنتجات الزراعية.

لكن هذا المشروع بدأ يفقد مكانته تدريجيًا مع التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد، خصوصًا بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة عام 1989. فبدلًا من تطوير المشروع وتحديث بنيته التحتية، دخل في دوامة من القرارات الإدارية والسياسات التي وصفها خبراء بأنها قامت على التسييس والتمكين أكثر من اعتمادها على الكفاءة والخبرة.

خلال سنوات الحكم الطويلة، جرى إضعاف الإدارة المهنية للمشروع، واستبدالها بشبكات من المحسوبية والولاءات السياسية. ومع تراجع الاستثمار في البنية التحتية الزراعية، من قنوات الري إلى الخدمات الإرشادية والتمويل الزراعي، بدأت الإنتاجية في الانخفاض بصورة حادة.

ويرى مراقبون أن الأزمة لم تكن مالية فقط، بل مرتبطة بطبيعة أولويات الدولة نفسها. ففي الوقت الذي كان فيه مشروع الجزيرة يواجه التراجع والإهمال، كانت الموارد العامة تتجه بصورة متزايدة نحو الإنفاق الأمني والعسكري، وبناء الأجهزة الموازية والتوسع في الصناعات المرتبطة بالحرب.

هذا التحول في أولويات الدولة كان له أثر مباشر على الاقتصاد السوداني ككل. فبدلًا من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية القادرة على تحقيق الأمن الغذائي وتوفير العملات الأجنبية، جرى الاعتماد على اقتصاد الريع والموارد السريعة مثل النفط والذهب، بينما تُرك القطاع الزراعي لمواجهة التدهور.

ومع مرور الوقت، فقد السودان جزءًا كبيرًا من مكانته في سوق الصادرات الزراعية العالمية. وتراجعت صادرات القطن والمحاصيل النقدية، بينما أصبحت البلاد تعتمد بصورة متزايدة على استيراد القمح والمواد الغذائية الأساسية، رغم إمكاناتها الزراعية الضخمة.

كما أسهمت هذه السياسات في تعميق الأزمة الاجتماعية داخل مناطق الجزيرة والريف السوداني عمومًا، حيث تراجعت مستويات الدخل وازدادت معدلات الفقر والهجرة من الريف إلى المدن، ما أدى إلى اختلالات اقتصادية واجتماعية واسعة.

ويرى مختصون أن ما حدث لمشروع الجزيرة يعكس نموذجًا أوسع لإدارة الدولة خلال تلك المرحلة؛ نموذج اعتمد على استخدام الموارد الطبيعية كأدوات لتعزيز النفوذ السياسي وضمان البقاء في السلطة، بدلًا من توظيفها لبناء اقتصاد إنتاجي مستدام.

واليوم، بينما يعيش السودان واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والإنسانية، يعود مشروع الجزيرة إلى واجهة النقاش بوصفه رمزًا لما خسرته البلاد من فرص تنموية. فالسودان الذي كان يُنظر إليه يومًا باعتباره “سلة غذاء” محتملة للمنطقة، أصبح يواجه أزمات غذائية وتضخمًا وديونًا متراكمة، في مشهد يلخص سنوات طويلة من سوء الإدارة والصراع على السلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.