(الحكومة السودانية تخشى أن تكون إثيوبيا منصة للحل البديل الذي تصنعه واشنطن، وتخشى أن يتم تجاوزها بالكامل في أي ترتيبات سياسية أو أمنية قادمة، لذلك تحاول التصعيد ضدها، والتشكيك في دورها، ومحاولة قطع العلاقات معها..)
طيف أول:
أحيانا ً البحر لا يغرق في ذاته، بل يبحر بأحلام المثقلين بذواتهم نحو ضفاف أبعد بكثير.
وما تخشاه الحكومة السودانية من إثيوبيا هو أن تملأ أديس أبابا الفراغ الذي تركته الخرطوم؛ فإثيوبيا الآن تستضيف الاجتماعات، وتفتح قنوات تواصل مع واشنطن، وتقدّم نفسها كـ “جار مسؤول”، وتعرض حلولًا إقليمية، وتفتح قنوات مع طرفي النزاع السوداني. هذا يقابله فقدان حكومة بورتسودان زمام المبادرة السياسية، إذ تُعتبر طرفًا غير قادر على قيادة الحل، مما جعلها تترك فراغًا ملأته إثيوبيا ودول أخرى.
ويحدث ذلك في ظل انشغالها بصراعات داخلية، بالإضافة إلى أنها لا تمتلك رؤية دبلوماسية واضحة. وبهذا، تجد أن الحكومة السودانية خسرت وزنها الدبلوماسي، سيما في الشهور الأخيرة من الحرب، حيث فقدت البوصلة السياسية وأصبحت لا تمتلك استراتيجية خارجية. وقد يرى العالم أنها أضحت تعاني من فقر العقلية السياسية التي لا تفهم حجم التحولات الدولية، ولا تدرك أن القضية السودانية أصبحت ملفًا عالميًا، بينما تتعامل مع الأزمة بمنطق داخلي ضيق.
ففي الوقت الذي تغلق فيه الحكومة في بورتسودان الأبواب أمام إثيوبيا وتتهمها بدعم ميدان الحرب، تسلك الولايات المتحدة نهجًا مختلفًا وتتجه نحو إثيوبيا بقوة ، وهو ما يكشف أن الحكومة تتحرك بمنطق “رد الفعل” للنجاة من الأزمة، بينما واشنطن تتحرك بمنطق “الفعل” لإدارة الأزمة.
والحكومة السودانية تحاول قطع علاقاتها مع إثيوبيا في الوقت الذي تعتبرها فيه أمريكا نافذتها الأساسية نحو حل الأزمة، لأن الخرطوم تنظر إلى إثيوبيا بعين الأمن، ولا تثق في نظرة واشنطن إليها بعين السياسة.
لكن تبقى أهم المخاوف غير المعلنة لحكومة بورتسودان تلك التي فاقمت قلقها، وهي زيارة قائد “أفريكوم” إلى أديس أبابا. فمنذ ذلك الوقت، والحكومة السودانية تقرأ التحركات الأمريكية الإثيوبية بطريقة مختلفة تمامًا عن القراءة الأمريكية. فواشنطن ترى إثيوبيا “نافذة للحل”، بينما الخرطوم تراها “نافذة للتدخل”، وهذا ما يفسر التوتر المتصاعد في خطاب الحكومة تجاه إثيوبيا.
وزيارة قائد “أفريكوم” كانت رسالة استراتيجية وليست زيارة بروتوكولية؛ فالخرطوم قرأت الزيارة على أنها اعتراف أمريكي بإثيوبيا كقوة إقليمية، فيها تجاوز للخرطوم في ملف السودان، وبناء قناة أمنية مباشرة بين واشنطن وأديس أبابا، مما يزيد احتمالات استخدام إثيوبيا كمنصة لأي تدخل أو ضغط.
ففي الوقت الذي تستعدي فيه الحكومة إثيوبيا وتستدعي سفيرها من هناك، تبحث أمريكا عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو مع نظيره الإثيوبي جيديون تيموثيوس تطورات الأوضاع الأمنية والسياسية في منطقة شرق أفريقيا، وذلك على هامش الحوار الثنائي بين الولايات المتحدة وإثيوبيا.
وقد أكد روبيو خلال اللقاء أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه إثيوبيا في دعم جهود خفض التصعيد وحل النزاعات في الإقليم، خاصة في ظل التوترات المتزايدة المرتبطة بالحرب في السودان والأزمات الأمنية المتعددة في المنطقة.
فالحكومة السودانية تخشى أن تكون إثيوبيا منصة للحل البديل الذي تصنعه واشنطن، وتخاف أن يتم تجاوزها بالكامل في أي ترتيبات سياسية أو أمنية قادمة، لذلك تحاول التصعيد ضد إثيوبيا، والتشكيك في دورها، ومحاولة قطع العلاقات معها. لكن هذا السلوك بلا شك يزيد عزلة الخرطوم ويقوي دور أديس أبابا بدلًا من أن يضعفه، لأن واشنطن قد تستخدم إثيوبيا لفرض ترتيبات على السودان، ليس بالضرورة تدخلًا عسكريًا مباشرًا، ولكن عبر ممرات إنسانية، أو الضغط على خطوط الإمداد، أو التنسيق مع الإيغاد والاتحاد الأفريقي لفرض مسار سياسي جديد.
المهم أن الخرطوم تخشى سيناريو “التدخل عبر الجوار”، وهو سيناريو حدث في دول أخرى مثل ليبيا وسوريا ، والكونغو ،لذلك تخشى الخرطوم أن تصبح إثيوبيا منصة لتدخل غير مباشر، خاصة أن وزير الخارجية الأمريكي ناقش أمس مع نظيره الإثيوبي سبل تعزيز الشراكة الأمنية بين واشنطن وأديس أبابا في المرحلة القادمة. ويأتي اللقاء في وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية الأمريكية المتعلقة بالأزمة السودانية، وهو ما خلق حالة من القلق والخوف الإقليمي والدولي من اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى صراع إقليمي مفتوح.
طيف أخير:
#لا_للحرب
يعقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، اليوم، قمة في مقر الاتحاد الأفريقي لبحث الأزمة السودانية ضمن أجندة أوسع تشمل ملفات إنسانية. وتأتي القمة في إطار عمل الآلية الخماسية التي تهدف إلى احتواء الأزمة وتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية السودانية، تمهيدًا لإطلاق عملية تبحث مستقبل الحكم في البلاد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.