لم يعد من السهل على المجتمع الدولي، أو حتى على المؤسسات الإقليمية الإفريقية، التعامل مع المشهد السوداني باعتباره مجرد أزمة حرب بين طرفين عسكريين. فمع مرور الوقت، بدأت تتكشف بوضوح حقيقة النفوذ المتزايد للحركة الإسلامية داخل معسكر بورتسودان، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من تعثر الجهود السياسية وفشل محاولات إعادة تأهيل السلطة القائمة خارجيًا.
أحدث مظاهر هذا الفشل تمثل في عدم نجاح حكومة بورتسودان في إقناع الاتحاد الإفريقي برفع تجميد عضوية السودان، رغم تشكيل حكومة جديدة برئاسة كامل إدريس، في خطوة حاولت السلطة تقديمها باعتبارها تحولًا نحو “الحكم المدني” وعودة المؤسسات التنفيذية. لكن الواقع جاء مختلفًا تمامًا عن الخطاب السياسي الذي رُوّج له.
فبدلًا من تشكيل حكومة كفاءات مستقلة أو وزراء تكنوقراط قادرين على استعادة ثقة الداخل والخارج، ظهرت التشكيلة الحكومية محمّلة بالمحاصصات السياسية والعسكرية، وضمت شخصيات محسوبة على الحركات المسلحة، إلى جانب عناصر مرتبطة بحزب المؤتمر الوطني المحلول، الذراع السياسي الأبرز للحركة الإسلامية في السودان.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة الأساسية. الاتحاد الإفريقي، كما كثير من القوى الدولية، لا ينظر فقط إلى شكل الحكومة أو أسماء الوزراء، بل إلى طبيعة المشروع السياسي الذي يقف خلفها. وما حدث في بورتسودان بدا للكثيرين محاولة لإعادة تدوير النظام القديم تحت عناوين جديدة، لا خطوة حقيقية نحو انتقال سياسي شامل ينهي الحرب ويعيد السودان إلى المسار المدني.
الحركة الإسلامية، التي سقط نظامها تحت ضغط الثورة الشعبية في ديسمبر 2019، تحاول اليوم العودة إلى المشهد مستفيدة من الحرب والانهيار المؤسسي. لكنها تدرك في الوقت نفسه أن العودة المباشرة أصبحت مستحيلة، لذلك تلجأ إلى استراتيجية “التموضع خلف السلطة”، عبر السيطرة التدريجية على مفاصل القرار السياسي والعسكري والإعلامي.
غير أن هذه الاستراتيجية تواجه الآن ضغوطًا دولية متزايدة. فالمجتمع الدولي بات أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات تعيد إنتاج الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة السودانية، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتعلقة بمكافحة التطرف وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المؤدلجة. كما أن استمرار الحرب وما صاحبها من انتهاكات إنسانية وانهيار اقتصادي جعل كثيرًا من الأطراف الدولية تنظر بعين الريبة إلى القوى التي تدفع باتجاه إطالة أمد الصراع وعرقلة التسويات السياسية.
الرسالة التي تلقاها معسكر بورتسودان من الاتحاد الإفريقي كانت واضحة: لا يمكن إعادة السودان إلى موقعه الطبيعي إقليميًا ودوليًا عبر حكومات شكلية أو إعادة تدوير للنظام السابق، بل عبر عملية سياسية حقيقية تؤسس لدولة مدنية ومؤسسات مستقلة.
المفارقة أن السلطة الحالية تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه معاكس تمامًا. فبدلًا من توسيع قاعدة التوافق الوطني، تتعمق حالة الاستقطاب السياسي، وتتزايد سيطرة المجموعات الأيديولوجية والمسلحة على المشهد، بينما يتم تهميش القوى المدنية التي قادت الثورة وأسقطت نظام البشير.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا المسار لا يهدد فقط فرص رفع العزلة عن السودان، بل يهدد مستقبل الدولة نفسها. فالعالم اليوم لا يبحث عن سلطة عسكرية بواجهة مدنية، ولا عن حكومات قائمة على المحاصصة والولاءات، بل عن شريك قادر على وقف الحرب واستعادة مؤسسات الدولة وبناء عملية انتقال حقيقية.
وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الحركة الإسلامية أمام مأزق متزايد؛ فهي من جهة تحاول الحفاظ على نفوذها داخل مؤسسات السلطة، ومن جهة أخرى أصبحت عبئًا سياسيًا يعرقل أي محاولة لإعادة دمج السودان في محيطه الإقليمي والدولي. السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إنتاج أزمات الماضي، بل إلى مشروع وطني جديد يعيد الاعتبار للدولة المدنية والعدالة والمؤسسات. أما استمرار الرهان على التحالف بين السلاح والأيديولوجيا، فلن يقود إلا إلى مزيد من العزلة والانهيار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.