(تحالف الضرورة).. حرب السودان وإحياء العلاقة البراغماتية بين الإخوان وإيران؟ تقاطعات المصالح تتجاوز الخلاف المذهبي

تقرير: عين الحقيقة

رغم التباينات العقائدية العميقة بين جماعة الإخوان المسلمين ذات المرجعية السنية والنظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه الشيعية، فإن العلاقة بين الطرفين ظلت – على مدار سنوات – محكومة بمنطق المصالح لا الاعتبارات المذهبية.

مراقبون: العلاقة قامت تاريخياً على قاعدة “العدو المشترك” والحاجة المتبادلة إلى النفوذ والتوسع الإقليمي، وهو ما جعل التعاون بين الطرفين يستمر في ملفات عدة، من بينها السودان

ويرى مراقبون أن هذه العلاقة قامت تاريخياً على قاعدة “العدو المشترك” والحاجة المتبادلة إلى النفوذ والتوسع الإقليمي، وهو ما جعل التعاون بين الطرفين يستمر في ملفات عدة، من بينها السودان، بعيداً عن الخطابات الأيديولوجية المعلنة. ففي الوقت الذي استفادت فيه إيران من السودان كممر جغرافي مهم يربطها بمنطقة البحر الأحمر وشرق أفريقيا، وجدت جماعة الإخوان في طهران مصدراً للدعم السياسي والعسكري واللوجستي، خصوصاً خلال سنوات حكم الرئيس المعزول عمر البشير.
السودان.. بوابة النفوذ الإيراني في أفريقيا
خلال العقدين الماضيين، تحوّل السودان إلى إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني في القارة الأفريقية. وشهدت تلك الفترة تعاوناً أمنياً وعسكرياً واسعاً بين الخرطوم وطهران، شمل تدريبات عسكرية وصفقات تسليح وتنسيقاً استخباراتياً، بحسب تقارير دولية سابقة.
ويقول خبراء في شؤون القرن الأفريقي إن إيران سعت عبر السودان إلى تأمين موطئ قدم استراتيجي بالقرب من البحر الأحمر، بما يمنحها قدرة أكبر على الحركة في منطقة شديدة الحساسية أمنياً واقتصادياً. ويشير الباحث السوداني في العلاقات الإقليمية، الدكتور عبد الرحمن الأمين، إلى أن “العلاقة بين الإسلاميين في السودان وإيران لم تكن قائمة على الانسجام الفكري بقدر ما كانت شراكة مصالح فرضتها حسابات السلطة والصراع الإقليمي”. وأضاف أن “الإخوان تعاملوا مع إيران باعتبارها حليفاً قادراً على توفير الدعم العسكري والسياسي في فترات العزلة الدولية”.
الحرب وإعادة تنشيط الشبكات القديمة
مع اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، برزت مجدداً مؤشرات على عودة التنسيق بين شبكات الإسلاميين السودانيين وبعض القوى الإقليمية التي احتفظت بعلاقات تاريخية معهم. ويرى محللون أن جماعة الإخوان أعادت تنشيط قنواتها الخارجية مستفيدة من حالة الفوضى والانقسام السياسي، في محاولة لاستعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. ويقول الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، محمد صادق، إن “الحرب وفّرت بيئة مناسبة لعودة الإسلاميين إلى المشهد تحت لافتة دعم الجيش والدفاع عن الدولة”. وأضاف أن “الجماعة تعمل حالياً على إعادة بناء تحالفاتها الإقليمية وتحصين نفوذها داخل الأجهزة السيادية، مستفيدة من هشاشة الوضع السياسي”.

يثير أي تقارب محتمل بين الإسلاميين السودانيين وإيران مخاوف متزايدة لدى دول إقليمية تعتبر البحر الأحمر منطقة أمن قومي لا تحتمل مزيداً من التوترات أو النفوذ المتصارع.

الدعم الخارجي.. المال والتنظيم والسلاح
بحسب متابعين، فإن استراتيجية الإخوان الحالية لا تعتمد فقط على النفوذ الداخلي، بل تشمل أيضاً توسيع شبكات الدعم الخارجي، سواء عبر قنوات مالية أو تنظيمية أو إعلامية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن بعض القيادات الإسلامية السودانية كثّفت تحركاتها الإقليمية خلال الأشهر الماضية، سعياً للحصول على دعم سياسي وتمويل يساعد في إعادة ترتيب صفوف الجماعة.
كما يرى مراقبون أن استمرار الحرب منح التيارات الإسلامية فرصة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها القوة الأكثر تنظيماً داخل المعسكر المؤيد للجيش، خاصة مع تصاعد دور الكتائب ذات الخلفية العقائدية في العمليات العسكرية.
مخاوف إقليمية من تمدد النفوذ الإيراني
يثير أي تقارب محتمل بين الإسلاميين السودانيين وإيران مخاوف متزايدة لدى دول إقليمية تعتبر البحر الأحمر منطقة أمن قومي لا تحتمل مزيداً من التوترات أو النفوذ المتصارع. ويحذر خبراء من أن عودة السودان إلى دائرة التجاذبات الإقليمية قد تعمّق الأزمة الحالية وتحوّل البلاد إلى ساحة صراع نفوذ بين قوى إقليمية ودولية.
ويرى الباحث في الأمن الإقليمي، سامي الطيب، أن “إعادة إحياء شبكات الإسلاميين المرتبطة بالخارج تمثل تهديداً لمسار الاستقرار السياسي في السودان، لأن أي مشروع قائم على التحالفات العسكرية والأيديولوجية سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب”.
صراع يتجاوز الداخل السوداني
ومع تعقّد المشهد الميداني والسياسي، تبدو الحرب السودانية اليوم أبعد من مجرد نزاع داخلي على السلطة، إذ تحوّلت – وفق مراقبين – إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمية والتحالفات الأيديولوجية. وفي ظل هذا الواقع، يبقى مستقبل السودان رهيناً بقدرته على بناء مشروع وطني مستقل، بعيداً عن استقطابات الجماعات العابرة للحدود والصراعات الإقليمية التي غذّت أزمات البلاد لعقود طويلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.