المياه في الذهنية السياسية السودانية- من إرث النيل إلى أزمة الرؤية الاستراتيجية

زهير عثمان حمد

منذ استقلال السودان عام 1956، ظل ملف المياه في الوعي السياسي السوداني ملفاً مؤجلاً رغم أنه من أكثر الملفات ارتباطاً بمصير الدولة ومستقبلها

فالسودان ليس مجرد بلد تعبره الأنهار، بل دولة تشكلت جغرافيتها واقتصادها وإمكاناتها التاريخية حول الماء: النيل وروافده، الأمطار الموسمية، والمخزون الجوفي الهائل.

وكان يمكن لهذه الموارد أن تجعل السودان واحداً من أهم المراكز الزراعية والغذائية في إفريقيا والعالم العربي، لكن النخب السياسية ــ المدنية والعسكرية على السواء ــ تعاملت مع المياه غالباً باعتبارها مورداً ثابتاً مضموناً، لا باعتبارها قضية أمن قومي وتنمية استراتيجية طويلة المدى.

وهنا تكمن إحدى أعمق أزمات الدولة السودانية الحديثة

أولاً النيل في العقل السياسي السوداني… اطمئنان استراتيجي مكلّف

عاش السودان لعقود داخل ما يمكن وصفه بـ”الاطمئنان النيلي”، أي الاعتقاد الضمني بأن–

النيل سيظل متدفقاً كما هو،

والحصة المائية مستقرة،

والأراضي الزراعية متاحة بلا حدود

 

هذا التصور خلق حالة من التراخي الاستراتيجي في إدارة أحد أهم موارد البلاد

بينما تحولت المياه في مصر إلى جزء من عقيدة الأمن القومي، وفي إثيوبيا إلى مشروع نهضة وتنمية، ظل السودان منشغلاً بدورات الانقلابات والحروب والصراعات الداخلية، الأمر الذي جعل ملف المياه يُدار غالباً بمنطق إداري محدود لا ضمن رؤية قومية شاملة

 

ثانياً اتفاقية 1959… بين المكاسب والجمود السياسي

شكّلت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 محطة مهمة في تاريخ العلاقات بين السودان ومصر، إذ منحت الخرطوم وضعاً أفضل مقارنة بالمراحل السابقة

لكن الإشكال لم يكن في الاتفاقية وحدها، بل في الطريقة التي تعاملت بها النخب السودانية معها باعتبارها إطاراً نهائياً غير قابل للتطوير أو المراجعة

في الوقت الذي بدأ فيه العالم يتجه نحو- الإدارة المشتركة للأحواض، والدبلوماسية المائية،والتفاوض متعدد الأطراف،وربط المياه بالتنمية المستدامة،ظل الخطاب السوداني في كثير من الأحيان أسير مقاربات قديمة لا تستجيب للتحولات الإقليمية الجديدة

 

وفي المقابل، بدأت دول المنبع تنظر إلى الاتفاقيات التاريخية باعتبارها غير معبرة بالكامل عن التوازنات الحالية داخل حوض النيل، ما فتح الباب أمام توترات قانونية وسياسية متصاعدة

ثالثاً السودان بين القاهرة وأديس أبابا… مأزق الموقع والقرار

يمتلك السودان موقعاً فريداً داخل معادلة النيل؛ فهو ليس دولة منبع كاملة ولا دولة مصب كاملة، وكان يمكن لهذا الموقع أن يمنحه دور الوسيط الاستراتيجي وصاحب المبادرة

لكن الواقع السياسي كثيراً ما دفع الخرطوم إلى موقع رد الفعل بدلاً من صناعة التوازن

 

وفي أزمة سد النهضة ظهرت هذه الإشكالية بوضوح

فالمؤسسات الفنية تحدثت عن فوائد محتملة تتعلق بتنظيم الفيضانات والطاقة،بينما اتسم الخطاب السياسي بالتذبذب والانقسام تبعاً للاستقطابات الإقليمية

والنتيجة أن السودان لم ينجح حتى الآن في بناء موقف استراتيجي مستقر يعبر بوضوح عن مصالحه الوطنية بعيدا عن محاور النفوذ الإقليمي

 

رابعاً غياب “العقل المائي” في الدولة السودانية

المشكلة الحقيقية لا تتمثل فقط في إدارة الموارد، بل في غياب ما يمكن تسميته بـ”العقل المائي” داخل مؤسسات الدولة

 

فالسودان يمتلك- موارد سطحية وجوفية ضخمة،ملايين الأفدنة القابلة للزراعة، إمكانات هائلة للطاقة الكهرومائية، وموقعاً جغرافياً يؤهله ليكون مركزاً إقليمياً للأمن الغذائي

لكن هذه الإمكانات اصطدمت بـ تدهور البنية التحتية للري،ضعف التخطيط طويل المدى،الفساد الإداري،آثار الحروب والنزاعات،وتراجع دور البحث العلمي والمؤسسات المتخصصة

واللافت أن ملف المياه ظل غائباً عن مركز الخطاب السياسي السوداني، رغم أن العالم بات ينظر إلى المياه باعتبارها قضية مرتبطة بالأمن والاستقرار والتغير المناخي ومستقبل الاقتصاد العالمي

 

خامساً المياه والتنمية… الفرصة التي لم تُستثمر

أي مشروع حقيقي لإعادة بناء السودان بعد الحرب لن يكون قابلاً للحياة دون مشروع مائي وزراعي متكامل

فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي، بل -أساس الأمن الغذائي،ومحرك التنمية الزراعية،وأداة للاستقرار الاجتماعي،ومدخل لتقليل النزاعات والهجرة والنزوح،وقاعدة لأي اقتصاد منتج ومستدام

 

ومن دون إدارة حديثة وفعالة لهذا المورد، سيظل السودان يعيش مفارقة قاسية -بلد غني بالمياه والأراضي، لكنه عاجز عن تحقيق الاكتفاء والاستقرار الاقتصادي

سادساً نحو دبلوماسية مائية سودانية جديدة

التحديات القادمة تفرض على السودان إعادة تعريف سياسته المائية بالكامل

المطلوب اليوم ليس خطاباً عاطفياً حول “الحقوق التاريخية” فقط، بل بناء مدرسة دبلوماسية جديدة تقوم على-

المصلحة الوطنية السودانية أولاً،التوازن في العلاقات مع دول الحوض،الاستثمار في المعرفة العلمية،تدريب كوادر متخصصة في دبلوماسية المياه،تحديث البنية القانونية والمؤسسية،والانخراط بفاعلية في ترتيبات التعاون الإقليمي

 

فالدولة التي تدخل مفاوضات المياه بعقلية مؤقتة أو بردود فعل متقلبة ستجد نفسها خارج معادلات التأثير مستقبلاً

 

من دولة يمر بها النيل… إلى دولة تفكر بالنيل

ظل السودان لعقود طويلة بلداً يمر به النيل أكثر من كونه دولة تبني رؤيتها حول النيل

ولهذا لم تتحول المياه إلى مشروع قومي جامع، رغم أنها المورد الأكثر قدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد والدولة معاً

وما بعد الحرب لن يكون مجرد مرحلة لإعادة الإعمار، بل اختباراً حقيقياً لقدرة السودانيين على إعادة تعريف أولوياتهم الوطنية

 

فالمياه لم تعد ملفاً فنياً معزولاً، بل أصبحت سؤالاً مركزياً يتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها

كيف تُدار الموارد؟

وكيف تُبنى التنمية؟

وكيف يُصاغ الأمن القومي في عالم يتغير بسرعة؟

وفي الإجابة عن هذه الأسئلة سيتحدد ما إذا كان السودان سيدخل القرن الجديد كدولة تمتلك مشروعاً استراتيجياً واضحاً، أم يظل أسير الأزمات المؤجلة والصراعات المفتوحة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.