لم يسقط السودان في تأسيس دولة كما يحلم بها شعبه المستحق لأن موارده قليلة، ولا لأن شعبه عاجز عن الحياة، بل لأن العقل السياسي الذي حكمه منذ لحظة التأسيس كان يحمل في داخله عطبًا أخلاقيًا وفكريًا عميقًا؛ عقلًا يجيد المناورة أكثر من البناء، ويبرع في الخداع أكثر من المصارحة، ويؤمن بالسلطة أكثر من الوطن.
لقد وُلدت الدولة السودانية الحديثة مشوهة وهي تحمل بذور أزمتها في داخلها، لأن النخب التي جلست حول موائد السياسة منذ الأربعينيات لم تكن تؤسس لوطنٍ يتسع للجميع، بقدر ما كانت تتفاوض حول من يملك السودان ومن يرث السلطة بعد خروج المستعمر. ومنذ تلك اللحظة، دخل السودان في دائرة مغلقة من الغش والخداع السياسي الكبير الذي لم يتوقف حتى اليوم.
منذ مؤتمر المائدة المستديرة عام 1947،و مرورا 1955 قُدمت الوعود للجنوب وللهوامش المختلفة بوعد الفيدرالية مقابل الوحدة الطوعية بأن السودان القادم سيكون وطنًا قائمًا على الشراكة والاعتراف بالتنوع، لكن ما إن غادر المستعمر حتى بدأت النخب المركزية في الخرطوم تنفض يدها عن تلك التعهدات كما لو أنها لم تكن موجودة أصلًا. لم يكن ذلك مجرد خطأ سياسي عابر، بل كان تأسيسًا مبكرًا لثقافة كاملة تقوم على نقض العهود، وعلى استخدام السياسة باعتبارها أداة للهيمنة لا عقدًا أخلاقيًا بين المواطنين. ومنذ ذلك التاريخ، صار السودان دولة تقول شيئًا وتمارس نقيضه، ترفع شعارات الوحدة بينما تنتج الإقصاء، وتتحدث عن الوطنية بينما تفصلها علي مقاسها و تحتكر السلطة والثروة داخل دائرة اجتماعية وثقافية ضيقة.
لم يكن التهميش في السودان حادثًا إداريًا أو خللًا تنمويًا فقط، بل كان جزءًا من بنية العقل السياسي نفسه. فالنخب التي حكمت البلاد مبكرا تعاملت مع الدولة وكأنها ملكية خاصة، ومع الأطراف وكأنها مخزن جنود وخدم وموارد خام لا أكثر. ولهذا لم يشعر ملايين السودانيين يومًا بأن الخرطوم تمثلهم حقًا، بل رأوا فيها مركزًا بعيدًا يحتكر كل شيء: الوظائف، القرار، الجيش، الإعلام، الثروة، وحتى تعريف “من هو السوداني الكامل”. وهكذا تحولت الدولة، بدل أن تكون مظلة وطنية، إلى جهاز لإعادة إنتاج الامتيازات التاريخية لنخب محددة.
الأخطر من ذلك أن العقل السياسي السوداني رسّخ خلال عقود مفهومين قاتلين: الأنانية والسلطوية. فمعظم القيادات السياسية السودانية لم تؤمن يومًا بفكرة التداول الحقيقي داخل أحزابها. الزعيم عندنا لا يتقاعد، ولا يراجع نفسه، ولا يفسح المجال لغيره، بل يبقى حتى يشيخ الحزب معه، ثم يترك وراءه تنظيمًا منهكًا بلا روح. ولذلك تحولت الأحزاب السودانية إلى ما يشبه الطوائف السياسية المغلقة، تُدار بالعلاقات الشخصية والولاءات القديمة لا بالكفاءة أو الديمقراطية. ولهذا أيضًا هرب الشباب من الأحزاب، ليس لأنهم لا يريدون السياسة، بل لأنهم اكتشفوا أن أبواب المستقبل موصدة أمامهم بالضبة والمفتاح .
والأكثر مرارة أن هذه القوى السياسية، رغم كل الكوارث التي مرت بها البلاد، لم تمارس يومًا نقدًا ذاتيًا حقيقيًا. لم نسمع حزبًا كبيرًا يقف أمام شعبه ليقول بوضوح: “لقد أخطأنا”. الجميع يبرر، الجميع يتهم الآخرين، الجميع يتحدث كما لو أنه ضحية بريئة لتاريخ صنعه بيديه. وحتى المؤتمرات الحزبية القليلة التي عُقدت، كانت في معظمها إعادة إنتاج للوجوه نفسها والعقلية نفسها، لا مراجعة شجاعة للتجربة ولا تفكيكًا للبنية التي أوصلت البلاد إلى هذا الخراب.
ومن هنا جاء كسل العقل السياسي السوداني وعجزه التاريخي عن إنتاج مشروع وطني جامع. فلا اليمين امتلك رؤية تتجاوز شعاراته، ولا اليسار استطاع النزول من أبراجه النظرية إلى واقع الناس، ولا الطائفية رأت السودان خارج حدود الولاء التقليدي. ولهذا ظل الوطن يتنقل من فشل إلى فشل، ومن انقلاب إلى انتفاضة، ثم من انتفاضة إلى انقلاب جديد، كأن التاريخ السوداني يدور داخل طاحونة لا تتوقف.
ربما كانت اللحظة الوحيدة التي اقترب فيها السودان من فكرة المشروع الوطني الكبير هي ما طرحه جون قرنق عبر مشروع “السودان الجديد”. لأول مرة ظهر خطاب يتحدث عن وطن لا يقوم على العرق ولا الدين ولا الجهة، بل على المواطنة الحقة والعدالة وإعادة تعريف الدولة نفسها. لكن ذلك المشروع اصطدم منذ البداية بجدار العقل السياسي التقليدي الذي خاف من أي فكرة تهدد امتيازاته التاريخية. ثم جاء رحيل قرنق في حادث الطائرة المشؤوم ليغلق بابًا كان يمكن أن يغيّر ليس السودان وحده، بل ربما جزءًا معتبرًا من أفريقيا كلها. سواء كان الحادث اغتيالًا أو قدرًا عابرًا، فالنتيجة واحدة: اختفى رجل امتلك كاريزما ورؤية لم يستطع السودان تعويضهما حتى الآن.
ثم جاءت الكارثة الأكبر في انقلاب 1989المشئوم : خلط الدين بالسياسة. إذ ابتُلي جزء واسع من العقل السياسي السوداني بوهم إمكانية فرض مشروع أيديولوجي أحادي داخل بلد شديد التنوع الثقافي والإثني والديني. وهكذا تحولت الشعارات الدينية من قيم أخلاقية إلى أدوات سلطة، وصار التكفير والتخوين جزءًا من المعركة السياسية، لا من النقاش الفكري. وتقسيم السودانيين وكانت النتيجة أن تمزق الوطن أكثر، لأن الدولة حين تنحاز لهوية واحدة داخل مجتمع متنوع فإنها تدفع الآخرين تلقائيًا إلى الإحساس بالغربة داخل وطنهم.
أما لعنة عسكرة السياسة، فهي ربما أكثر ما شلّ تطور السودان الحديث. فمنذ الاستقلال ظل الجيش يتدخل باعتباره وصيًا على البلاد، بينما استمر جزء من النخبة المدنية في استدعائه كلما فشل في الوصول إلى السلطة عبر الديمقراطية. وهكذا أصبحت الانقلابات ليست استثناءً، بل جزءًا من الثقافة السياسية نفسها. والمفارقة المؤلمة أن كثيرين ظلوا يحلمون بعسكر “وطنيين” يصنعون الديمقراطية، رغم أن التاريخ الإنساني كله تقريبًا يقول إن البندقية لا تبني وطنًا حرًا، بل تبني سلطة تخاف من شعبها وتخيفه في الوقت نفسه.
وهكذا، لم تكن مأساة السودان مجرد أزمة حكومات متعاقبة، بل أزمة عقل سياسي كامل؛ عقل أدمن الكذب والخداع على نفسه وعلى الناس، واعتبر الوطن غنيمة، والدولة مزرعة، والسلطة حقًا تاريخيًا لا مسؤولية أخلاقية. ولذلك فإن أي حديث عن مستقبل السودان دون تفكيك هذه البنية الذهنية سيكون مجرد إعادة تدوير للكارثة نفسها بأسماء جديدة. لأن الأوطان لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الحروب، بل تنهار حين تصبح الأكاذيب القديمة أقوى من شجاعة الاعتراف بالحقيقة .
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.